أخبارالرئيسيةفي الصميم

الشيخ بيد الله كما عرفته..رجل المرحلة والتوافقات

بروفايل رئيس حكومة يتجاوب مع معارضة قوية وصلبة

ألمانيا-منير لكماني

قد تمنح الأغلبية البرلمانية رئيس الحكومة حق تشكيل فريقه، لكنها لا تمنحه القدرة على قيادة البلاد تلقائيا. تلك القدرة تمتحنها الأزمات، وتباين مصالح الشركاء، وأسئلة معارضة تعرف كيف تراقب وتجادل وتحاسب. وفي مرحلة كهذه، يبرز الدكتور محمد الشيخ بيد الله، كما عرفته، بروفايلا لرئيس حكومة يجمع الخبرة المؤسسية إلى رصانة الطبع؛ رجل يفهم أن التوافق الجيد يصنعه وضوح القرار والقدرة على الدفاع عنه.

بدأ بيد الله من الطب والجامعة، حيث تعلم أن التشخيص الدقيق يسبق العلاج، وأن الإصغاء جزء من معرفة المشكلة. ثم انتقل إلى الإدارة الترابية، وتولى وزارة الصحة، قبل أن يقود مجلس المستشارين ويخوض تجربة قيادة حزب سياسي. لا تجعل هذه المناصب صاحبها صالحا لرئاسة الحكومة بحكم تراكمها وحده، لكنها تمنحه معرفة نادرة بمواقع القرار المختلفة: كيف تفكر الإدارة، وكيف تعمل الحكومة، وما الذي يستطيع البرلمان مساءلته، وأين تتعثر السياسات حين تصل إلى حياة المواطنين.

تلك المعرفة ضرورية لتدبير أغلبية قد تتفق على تشكيل الحكومة، ثم تختلف عند توزيع الكلفة السياسية للإصلاح. فالتوافق بين الشركاء لا يعني إرجاء الملفات الصعبة أو صياغة عبارات تسمح لكل طرف بأن يفهم منها ما يشاء. إنه اتفاق صريح على الأولويات، والآجال، والمسؤوليات. ورئيس الحكومة القادر على جمع شركائه هو من يمنع الخلافات الصغيرة من استهلاك وقت الدولة، من غير أن يخفي الخلافات الحقيقية تحت لغة مطمئنة.

أما المعارضة القوية والصلبة، فهي امتحان آخر. لن يكفي أمامها أن تملك الحكومة الأصوات اللازمة لتمرير القوانين؛ سيكون عليها أن تشرح خياراتها، وتكشف نتائجها، وتعترف بما لم تنجزه. هنا تظهر قيمة من خبر رئاسة مؤسسة برلمانية وعرف معنى إدارة الاختلاف داخلها. يمكن لرئيس الحكومة أن يرفض اقتراحا للمعارضة، لكن عليه أن يأخذه بجدية، وأن يرد عليه بحجة ووثيقة وبديل. بذلك يصبح البرلمان مكانا لتحسين القرار، لا ساحة لاستنزاف الثقة العامة.

وما يجعلني أرى في الشيخ بيد الله رجل توافقات هو، قبل المناصب، طبيعته الإنسانية. كما عرفته، لا يستعير الهيبة من ارتفاع الصوت. ينصت قبل أن يجيب، ويترك للمخالف مساحة ليتم فكرته. إنه أكاديمي في احترامه للسؤال، وحكيم في تقدير أثر الكلمة. وهذه خصال عملية في رئاسة الحكومة: فالوزير يحتاج إلى من يسمعه، والشريك يحتاج إلى ضمانة بأن الاتفاق سيحترم، والمعارض يحتاج إلى مخاطب لا يعامل النقد باعتباره خصومة شخصية.

غير أن التقدير الشخصي لا يصنع برنامجا حكوميا. إذا طرح اسم بيد الله لهذه المسؤولية، فستبقى الأسئلة واجبة: ما أولوياته في الصحة والتعليم والشغل؟ كيف سيعالج تفاوت الخدمات بين الجهات؟ وبأي فريق وآليات متابعة سيحول التوافقات إلى إنجاز؟ الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة هي التي تنقل الحديث من الإعجاب بسيرته إلى الحكم على قدرته السياسية.

لهذا أراه بروفايلا لرئيس حكومة بامتياز، لا لأن الطريق أمامه سيكون سهلا، بل لأن صعوبته تحتاج إلى ما اجتمع فيه من علم وخبرة وهدوء. وفي مواجهة معارضة صلبة، ستكون أفضل التوافقات تلك التي لا تسكت النقد، بل تصغي إليه ثم تقدم للناس عملا يمكنهم أن يقيسوا أثره. عندئذ تكتسب الحكمة معناها الكامل: أن تجمع المختلفين حول مسؤولية واضحة، وأن تقبل محاسبتهم لك عليها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button