Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

امرأة على رأس الحكومة المغربية.. رسالة سياسية تتجاوز حدود المملكة المغربية

ب

إذا انتهت المشاورات السياسية والمؤسساتية المقبلة إلى تعيين امرأة على رأس الحكومة المغربية، فإن الأمر لن يكون مجرد انتقال في المسؤولية التنفيذية أو حدثا مرتبطا بنتائج انتخابات 23 شتنبر 2026، بل سيكون محطة سياسية ذات دلالة رمزية كبيرة، يمكن أن يتجاوز صداها الحدود الوطنية ليصل إلى الفضاء العربي والإفريقي والمغاربي والدولي.

الدستور المغربي لا يميز بين الرجل والمرأة في تولي رئاسة الحكومة، فالفصل 47 ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. وبالتالي فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة سيكون، من الناحية الدستورية، ممارسة لاختصاص مؤسساتي قائم، وليس استثناء قانونيا.
والأكيد، أن القيمة السياسية والرمزية للخطوة ستكون أكبر من بعدها القانوني، فالمغرب إذا اختار هذا المسار، سيقدم صورة جديدة عن مشاركة المرأة في مواقع القرار التنفيذي الأعلى، خصوصا في منطقة لا تزال فيها رئاسة الحكومات والسلطات التنفيذية العليا حكرا في الغالب على الرجال. وحسب معطيات هيئة الأمم المتحدة للمرأة فالنساء يشغلن حاليا نحو 24.3% من مقاعد البرلمان المغربي، بينما تبلغ نسبة النساء في المناصب الوزارية نحو 15.8% وفق البيانات المتاحة.

فعلى المستوى الدولي، ستكون الرسالة ذات حمولة رمزية واضحة. فالمغرب يمكن أن يظهر باعتباره دولة تواصل توسيع حضور المرأة في المؤسسات السياسية، في انسجام مع التحولات التي عرفتها بنيته الدستورية والمؤسساتية خلال السنوات الماضية، ولن يكون الحديث هنا عن مجرد “امرأة في منصب”، وإنما عن انتقال المرأة إلى قمة السلطة التنفيذية، بما يجعل التجربة المغربية محط اهتمام وسائل الإعلام ومراكز الدراسات والدوائر السياسية الدولية. أما في العالم العربي، يمكن أن يحمل الحدث بعدا إضافيا، فوجود امرأة على رأس الحكومة المغربية سيضع المملكة ضمن النقاش العربي حول تطور المشاركة السياسية للنساء والوصول إلى مواقع القرار وستتحول التجربة، بحكم موقع المغرب وعلاقاته وشبكة حضوره الدبلوماسي، إلى موضوع للنقاش والمقارنة بين التجارب العربية المختلفة.
أما إفريقيا، فقد يكون الأثر أكثر أهمية، بالنظر إلى الحضور المتزايد للمغرب داخل القارة، سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا وحتى رياضيا، فتعيين امرأة رئيسة للحكومة يمكن أن يضيف بعدا جديدا إلى الصورة التي يسعى المغرب إلى ترسيخها عن نفسه كشريك إفريقي منفتح على قضايا التنمية والتمكين والمشاركة السياسية، غير أن قوة هذه الرسالة ستظل مرتبطة بمدى قدرة الحكومة نفسها على تحويل المساواة وتمكين المرأة من الخطاب الرمزي إلى سياسات عمومية قابلة للقياس.

أما على المستوى المغاربي تحديدا، ستكون الخطوة ذات دلالة سياسية خاصة وأن المنطقة تعيش منذ سنوات على وقع تحولات عميقة في علاقة المجتمعات بالدولة والمؤسسات والأحزاب والنخب السياسية، ومن ثم فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة المغربية سيضيف عنصرا جديدا إلى المشهد المغاربي، وسيمنح المغرب صورة مختلفة في النقاش الإقليمي حول تحديث المؤسسات السياسية.

إلا أن رمزية التعيين لا تكفي وحدها على المستوى الوطني، خصوصا وأن المواطن المغربي ينتظر معالجة قضايا التشغيل والقدرة الشرائية والتعليم والصحة والاستثمار وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، ومما لا شك فيه أن المجتمع الدولي بدوره لا يراقب فقط هوية من يقود الحكومة، وإنما يتابع الاستقرار المؤسساتي، الإصلاحات الاقتصادية، جاذبية الاستثمار، السياسة الخارجية، والقدرة على الوفاء بالالتزامات. ومن هنا، فإن تعيين امرأة على رأس الحكومة قد يمنح المغرب رصيدا رمزيا ودبلوماسيا مهما، لكنه سيضع في الوقت نفسه رئيسة الحكومة أمام اختبار أكبر، هل تستطيع أن تجعل من هذا الاختيار نقطة انطلاق لمرحلة سياسية جديدة، أم سيبقى الحدث في حدود الصورة والرمزية؟ والأهم أن المرأة التي ستتولى رئاسة الحكومة، إن حصل ذلك، لن تكون مطالبة بإثبات قدرتها لأنها امرأة، بل بإثبات قدرتها باعتبارها رئيسة للحكومة مسؤولة عن برنامج حكومي وحصيلة سياسية واجتماعية واقتصادية.

فقد يكون وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة رسالة قوية إلى الخارج، لكن الرسالة الأقوى ستكتبها نتائج الحكومة في الداخل، فإذا نجحت في تحويل الرمز إلى أداء، والتمثيل إلى إصلاح، والانتقال التاريخي إلى سياسات ملموسة، فإن أثر التجربة سيتجاوز حدود المغرب بكثير. وعلى هذا الأساس، فإن احتمال وجود أول امرأة على رأس الحكومة المغربية لا ينبغي أن يقرأ فقط باعتباره سابقة تاريخية، بل باعتباره اختبارا جديدا لعلاقة السياسة بالنتائج، والرمزية بالأداء، وصورة المغرب في الخارج بما يتحقق فعليا في الداخل.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button