أخبارالرئيسيةثقافة و فن

بين أصالة الماضي ونبض الحاضر..طارق بطمة يعيد صياغة الإرث المسناوي في “الحايك” و”فضولي يا قلبي”

في مشهد فني مغربي يشهد محاولات دؤوبة لإعادة قراءة التراث الموسيقي بلغة العصر، يبرز سؤال جوهري: ماذا يفعل أبناء الرواد حين يجدون أنفسهم أمام إرث ثقيل تركه الآباء؟ هل يكتفون بحفظه في أرشيف الذاكرة، أم يعيدون تشكيله بما ينسجم مع زمنهم؟

الفنان طارق بطمة اختار الإجابة هذا التساؤل بشكل عملي، عبر العودة إلى الساحة الفنية من بوابة والده الشاعر والفنان الكبير الراحل محمد بطمة، أحد أعمدة مجموعتي “لمشاهب” و”مسناوة”، عبر عملين جديدين هما “الحايك” و”فضولي يا قلبي”، في تجربة لا تعلن القطيعة مع الماضي، بل تتخذه مادة حية لابتكار امتداد فني معاصر.

“الحايك”.. حوار عابر للأجيال بين الأب والابن

لا تقتصر أغنية “الحايك” على كونها استعادة لعمل قديم، بل تمثل حالة فنية نادرة من “الديالوغ” المباشر داخل الأغنية الواحدة بين جيلين، انطلقت الفكرة من استلهام المقطع الأخير لأغنية “امحمد يا ولدي” الشهيرة، التي صاغ كلماتها ولحنها الراحل محمد بطمة لمجموعة “مسناوة”، ليقوم طارق بدمجها مع زجل جديد من توقيعه.

يصف طارق بطمة ولادة هذا العمل قائلا: “جاءتني فكرة مزج هذا المقطع الزجلي الرائع من أغنية (امحمد) لزجل كتبته مؤخرا لجعل المقطع أغنية، والنتيجة أعطتنا أغنية الحايك”، هذا المزج الذي تولى توزيعه الموسيقي إدريس الودغيري، جعل الأب يترك المقطع الأول، ليكمل الابن من حيث انتهى والده، وكأنما تطوي هذه الأغنية مسافة زمنية طويلة ليختصرها طارق في لحن واحد يجمع بين ذائقته الفنية واختياره الإبداعي وروح المبدع محمد بطمة.

“فضولي يا قلبي”.. الرومانسية المسناوية بثوب عصري

في الأغنية الثانية، يتجه طارق بطمة نحو إعادة تقديم عمل متجذر في ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت الأغنية المسناوية والشعبية في أوج عطائها، “فضولي يا قلبي” التي كتبها ولحنها الأب لمجموعة “مسناوة”، تعود اليوم بقراءة موسيقية مختلفة تحافظ على الروح العروبية والمحلية للنص الأصلي، لكنها تخلع عنه ثوبه الكلاسيكي.

اختار طارق تحويل هذا العمل إلى صيغة “دويتو” غنائي يجمعه بالفنانة نوال بوسنيني، مع إسناد مهمة التوزيع الموسيقي لأسامة باهي، وقد أسهم هذا الاختيار في إبراز الطابع الرومانسي للأغنية، في تحول لافت ينقل العمل من سياقه الجماعي القديم إلى طرح ثنائي معاصر وأقرب إلى أذن المستمع اليوم.

حين تتحول الأغنية إلى أداة للحوار ..

وفي قراءة أعمق للرؤية الفنية التي تحكم العملين، تتجلى تيمة “الحوار” كخيط ناظم يربط بينهما، وإن اختلفت أبعاده ومستوياته. ففي أغنية “الحايك”، يتخذ الحوار طابعا زمنيا يعبر الأجيال، حيث ينسج الابن مع والده الراحل نقاشا شعريا وموسيقيا يكسر حواجز الغياب، ليصنع جسدا فنيا واحدا تتداخل فيه أصالة الماضي بنبض الحاضر، ويعبر من خلال “الحايك” إلى رموز تتقاطع فيها الهوية والتراث والوطن.

أما في أغنية “فضولي يا قلبي”، فيأخذ الحوار منحنى داخليا ووجدانيا أعمق، جسدته ببراعة صيغة “الدويتو” مع الفنانة نوال بوسنيني؛ فهذا الأداء الثنائي لا يقف عند حدود التقاطع الصوتي، بل يترجم حالة من التناجي العميق بين الإنسان وقلبه، أو بين الذات والروح، وكأننا أمام مساءلة رقيقة بين صرامة العقل وتمرد الوجدان، مما يضفي على العملين أبعادا فلسفية تتجاوز مجرد إعادة تقديم التراث، لتجعلهما مرآة تعكس تفاعلات الفنان مع أجيال سبقته، ومع أعمق زوايا نفسه، ومع رؤاه حول الزمن والعالم والإنسان.

عائلة بطمة.. الحاضنة الأولى للموهبة

لم يكن هذا الانغماس في الإرث وليد الصدفة، فعائلة بطمة ظلت دائما الحاضنة الأولى لمسار طارق، يستحضر الفنان بداياته حين كتب له والده أولى أغانيه مثل “محراث لخشب”، “وشحال طويل أيومي”، و”كل ما نتمنى”. كما يمتد هذا التأثير ليشمل عميه؛ الراحل العربي بطمة في قطعة “اش بلاني بيك يا خيتي”، والزجال عبد الرحيم بطمة في “شي وشي”، مما يؤكد أن الإبداع في هذا البيت توزع عبر أجيال وأدوار تكاملت فيما بينها. ولا يغفل طارق عن توجيه تحية وفاء لوالدته التي شكلت سنده المادي والمعنوي طيلة مسيرته، إلى جانب دعم شقيقيه خنساء وأنس.

حلم “التجمع الأكبر”.. إرث الرواد في مواجهة إكراهات الإنتاج

وبعيدا عن مشاريعه الفردية، يحمل طارق بطمة رؤية طموحة لجمع أبناء رواد الأغنية الغيوانية والشعبية في عمل مشترك ضخم. فكرة توحيد أصوات تمثل عائلات يونس ويوسف أبناء المرحوم باكا، أبناء مولاي الطاهر، أبناء سلامات، إلى جانب الفنان حميدة كأحد الرواد، تراوده منذ فترة طويلة، نظرا لتقارب الحس الفني والموسيقي بين هذا الجيل الوارث للظاهرة.

غير أن طارق يضع أصبعه على الجرح، مقرا بأن العائق أمام هذا الحلم التاريخي ليس غياب الكلمات أو الألحان أو الإرادة الإبداعية، بل هو التحدي المادي واللوجستي البحت، غياب شركات الإنتاج القادرة على تغطية تكاليف الاستوديوهات، أجور الموسيقيين والتقنيين، وميزانيات الترويج وتنظيم السهرات داخل المغرب وخارجه، ما يقف حجر عثرة أمام خروج المشروع إلى النور.

ورغم هذه الإكراهات، يبقى الأمل معقودا على تحقيق هذا العمل الجماعي مستقبلا، ليقف كشاهد رمزي يجمع خيوط الذاكرة الغيوانية والشعبية المغربية، ويؤكد أن عودة أبناء الرواد ليست مجرد حنين للماضي، بل هي قدرة أصيلة على جعل التراث ينطق بلغة المستقبل.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button