الصحافة المغربية تبحث عن روحها..معركة الرقمنةوتيه الرسالة

نظمت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، مساء السبت بمدينة مراكش، ندوة فكرية وإعلامية تحت عنوان “سؤال المهنية وتحدي الأخلاقيات”، وذلك في إطار سلسلة اللقاءات التي تعقدها الفيدرالية لمناقشة قضايا الصحافة الوطنية في ظل التحولات الرقمية والاجتماعية الراهنة.
أدار الندوة الإعلامي عبد الصمد بنشريف بأسلوب تفاعلي، مبرزاً أن موضوع الأخلاقيات المهنية يكتسي راهنية خاصة في ظل التحولات التي يعرفها المشهد الإعلامي المغربي.
وأكد أن النقاش حول المهنية ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لضمان بقاء الصحافة كفاعل أساسي في الديمقراطية.
و تناول الزميل مصطفى غلمان في مداخلته البعد القيمي في الممارسة الصحفية، معتبراً أن أزمة الأخلاقيات في الإعلام المغربي ليست مجرد خلل مهني، بل هي أزمة ثقافة ومجتمع.
وأوضح أن الصحافة فقدت جزءاً من رسالتها التنويرية بسبب هيمنة منطق السوق والبحث عن الإثارة على حساب المضمون والمعرفة.
وأشار غلمان إلى أن الصحفي لم يعد يُنظر إليه كفاعل ثقافي ومثقف عضوي، بل كمنتج للمحتوى السريع، مما أدى إلى تراجع مكانة الصحافة كسلطة رابعة. ودعا إلى إعادة الاعتبار للصحفي كمثقف ملتزم، قادر على تحليل الواقع وتنوير الرأي العام، لا مجرد ناقل للأخبار.
كما شدد على ضرورة بناء ميثاق أخلاقي جديد يأخذ بعين الاعتبار التحولات الرقمية، ويوازن بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية، مؤكداً أن الأخلاق ليست قيوداً على الصحافة، بل ضمانة لحريتها واستمراريتها.
وفي نفس السياق، ركز الأستاذ عبد الوهاب الرامي، الخبير في أخلاقيات الإعلام والتواصل، على الجانب الأكاديمي والتنظيري لمفهوم الأخلاقيات المهنية. وأوضح أن الصحافة، في جوهرها، تقوم على ثلاثية الحقيقة، والإنصاف، والمسؤولية، وأن أي إخلال بهذه القيم يفرغ المهنة من مضمونها.
وأشار الرامي إلى أن التحدي الأكبر اليوم يتمثل في التحول الرقمي الذي جعل من كل مواطن ناقلاً للمعلومة، مما يفرض على الصحفيين مضاعفة الجهد للحفاظ على مصداقيتهم.
كما دعا إلى إدماج مادة “أخلاقيات الإعلام” بشكل أعمق في مناهج تكوين الصحفيين، وإلى تطوير آليات للتأطير المهني داخل المؤسسات الإعلامية.
وأكد أن المهنية لا تنفصل عن الأخلاق، وأن الصحفي المهني هو بالضرورة صحفي أخلاقي، لأن احترام القواعد المهنية هو في حد ذاته ممارسة أخلاقية.
أما الصحفي عبد الغني بردي، فقد تناول الموضوع من زاوية الممارسة اليومية داخل غرف التحرير، مبرزاً أن الصحفيين يعيشون اليوم تحت ضغط السرعة والمنافسة الرقمية، مما يجعلهم عرضة للأخطاء والانزلاقات الأخلاقية.
وأوضح أن انتشار الأخبار الزائفة وتضخم وسائل التواصل الاجتماعي خلق بيئة إعلامية مضطربة، تتطلب من الصحفيين التحقق الصارم من المصادر والالتزام بمبدأ الدقة قبل السبق.
كما دعا إلى تعزيز ثقافة الرقابة الذاتية داخل المؤسسات الإعلامية، وتفعيل دور هيئات التحرير في تصحيح الأخطاء ومساءلة الممارسات غير المهنية.
وأشار بردي إلى أن الاستقلالية التحريرية تظل حجر الزاوية في بناء صحافة مسؤولة، داعياً إلى تحصين الصحفيين من الضغوط السياسية والاقتصادية التي قد تمس بحرية التعبير أو توجه الخط التحريري.
.
شهدت الندوة تفاعلاً كبيراً من الحضور، حيث طرح عدد من الصحفيين والباحثين أسئلة حول حدود الحرية والمسؤولية، ودور المؤسسات في حماية الصحفيين من الانزلاقات الأخلاقية. كما تمت الإشارة إلى أهمية تجديد ميثاق أخلاقيات المهنة بما يتلاءم مع البيئة الرقمية الجديدة، وتطوير برامج التكوين المستمر في مجالات التحقق من الأخبار والتواصل المسؤول.الخلاصات والتوصياتاختتمت الندوة بمجموعة من التوصيات أبرزها:ضرورة إرساء ثقافة مهنية قائمة على النزاهة والشفافية داخل المؤسسات الإعلامية.تحديث ميثاق أخلاقيات المهنة ليتلاءم مع تحديات الإعلام الرقمي.تعزيز التكوين الأكاديمي والميداني في مجالات أخلاقيات الصحافة.تفعيل آليات المحاسبة الذاتية والرقابة الداخلية في غرف التحرير.تحصين استقلالية الصحفيين عن الضغوط السياسية والاقتصادية.أكد المشاركون في ختام اللقاء أن مستقبل الصحافة المغربية رهين بقدرتها على الموازنة بين الحرية والمسؤولية، وعلى ترسيخ قيم الصدق والنزاهة والاحترام، باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه مهنة الصحافة في خدمة المجتمع والديمقراطية.



