“سليم للعطاء” بفاس..حيث تصنع حبات الزيتون قصة نجاح عنوانها الإنسان والتنمية

في قلب جماعة أولاد الطيب، بضواحي مدينة فاس، لا تبدو أشجار الزيتون مجرد معالم طبيعية تزين المشهد القروي، بل تتحول إلى مصدر للأمل والتنمية، وإلى مشروع جماعي يختزل قدرة الإنسان على تحويل الإمكانات المحلية إلى قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية. هنا، داخل مقر تعاونية “سليم للعطاء”، تنبعث رائحة زيت الزيتون البكر الممتاز لتروي قصة شباب آمنوا بفكرتهم، فوجدوا في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية الشريك الذي منح الحلم فرصة ليصبح واقعا.
منذ اللحظة الأولى لولوج مقر التعاونية، يستوقف الزائر مشهد يعكس روح الاحتراف والتنظيم؛ قنينات زيت الزيتون مصطفة بعناية، وصهاريج حديثة من الفولاذ المقاوم للصدأ تحفظ المنتوج في أفضل الظروف، وأيد خبيرة تراقب مختلف مراحل الإنتاج بدقة، بينما تتجاور على رفوف العرض منتجات تعاونيات أخرى من عسل وأعشاب عطرية وطبية وأنواع متعددة من الكسكس وسكر التمر، في فضاء يجسد المعنى الحقيقي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، حيث ينجح الجميع عندما يتعاون الجميع.
ورغم أن التعاونية تأسست سنة 2020، فإن انطلاقتها الفعلية لم تبدأ إلا بعد سنتين، عندما حظيت بدعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في إطار برنامج تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب. حينها، لم يكن الأمر مجرد تمويل مالي، بل كان بداية مرحلة جديدة نقلت المشروع من فكرة ناشئة إلى وحدة إنتاج حديثة تستجيب لمعايير الجودة والسلامة الصحية.
ويستحضر رئيس التعاونية، جودار عبد الكريم، تلك اللحظة باعتبارها نقطة التحول في مسار المشروع، مؤكدا أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كانت الرافعة التي مكنت التعاونية من تحقيق قفزة نوعية، سواء من خلال توفير التجهيزات الأساسية أو عبر المواكبة التقنية والتكوين في مجالات الحكامة والتدبير وضبط الجودة.
وبلغت الكلفة الإجمالية للمشروع نصف مليون درهم، ساهمت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بـ300 ألف درهم منها، فيما تكفلت التعاونية بتوفير 200 ألف درهم، وهو استثمار مكنها من اقتناء تجهيزات عصرية، تشمل صهاريج حديثة ومضخات ومعدات متطورة، وضعت المشروع على سكة الاحترافية.
غير أن نجاح التجربة لم يكن رهينا بالتجهيزات وحدها، بل استند أيضا إلى ثقافة الجودة التي أصبحت عنوانا لعمل التعاونية. فكل حبة زيتون تخضع لعناية خاصة، بدءا من اختيار أجود الأصناف المغربية، وعلى رأسها “البيشولين” و”الحوزية”، مرورا بالنقل السريع للمحصول مباشرة بعد الجني، وصولا إلى تقنية العصر البارد في درجة حرارة لا تتجاوز 27 درجة مئوية، حفاظا على الخصائص الغذائية والنكهة الطبيعية للزيت، وفق المعايير الدولية الخاصة بزيت الزيتون البكر الممتاز.
ولم تتوقف رحلة التميز عند الإنتاج، إذ حصلت التعاونية خلال غشت 2025 على اعتماد المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، بعد مسار من التأطير والمواكبة التقنية، الأمر الذي عزز ثقة المستهلكين وفتح أمامها آفاقا جديدة للتسويق.
اليوم، لم تعد “سليم للعطاء” مجرد وحدة لإنتاج زيت الزيتون، بل أصبحت واجهة حقيقية لتثمين المنتوجات المجالية، حيث تحولت إلى فضاء يجمع منتجات عدد من التعاونيات المحلية، في نموذج يعكس فلسفة التنمية القائمة على التكامل وتبادل المنافع، ويمنح المنتجين الصغار نافذة لتسويق منتجاتهم والوصول إلى أسواق جديدة.
أما الأثر الاجتماعي للمشروع، فيتجاوز الأرقام بكثير. فالتعاونية، التي تضم خمسة أعضاء من بينهم سيدتان، توفر خلال موسم جني الزيتون فرص عمل موسمية لفائدة عدد من شباب ونساء الدواوير المجاورة، بما يساهم في تحسين دخل الأسر والحد من الهشاشة، ويمنح الساكنة المحلية فرصة للاستفادة المباشرة من الثروة الفلاحية التي تزخر بها المنطقة.
ويؤكد رئيس التعاونية أن الإقبال على منتجاتها يشهد نموا متزايدا سنة بعد أخرى، إذ لم يعد الزبناء يقتصرون على مدينة فاس ونواحيها، بل أصبحوا يتوافدون من الرباط والدار البيضاء وطنجة ومدن أخرى، سواء لاقتناء المنتجات مباشرة أو عبر خدمات التوصيل، وهو ما يعكس الثقة التي باتت تحظى بها جودة المنتوج.
ولا يخفي أعضاء التعاونية طموحهم في توسيع التجربة، من خلال المشاركة في المعارض الوطنية والدولية، والانفتاح على أسواق التصدير، وإحداث فضاءات جديدة للتسويق بمختلف المدن المغربية، حتى يصبح زيت أولاد الطيب سفيرا جديدا للمنتوجات المجالية المغربية.
من جهتها، تؤكد كوثر لحراري، المكلفة بتنزيل محور تحسين الدخل ضمن البرنامج الثالث للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بعمالة فاس، أن تجربة “سليم للعطاء” تمثل نموذجا حيا لما يمكن أن تحققه المبادرة عندما تلتقي الإرادة المحلية بالمواكبة المؤسساتية.
وتبرز أن المبادرة جعلت من دعم التعاونيات خيارا استراتيجيا لإرساء اقتصاد اجتماعي أكثر دينامية، مشيرة إلى أنها مولت أكثر من ستين تعاونية بعمالة فاس باستثمارات تجاوزت 23 مليون درهم، ساهمت فيها بأكثر من 17 مليون درهم، مع إيلاء أهمية خاصة للنساء والشباب والعالم القروي، في تجسيد لرؤية تنموية تجعل من الإنسان محور كل مشروع.
وفي أولاد الطيب، لا تحكي قنينات زيت الزيتون قصة منتوج فلاحي فحسب، بل تروي حكاية إرادة جماعية آمنت بأن التنمية تبدأ من استثمار الإنسان في محيطه، وأن الثروات المحلية، مهما بدت بسيطة، يمكن أن تتحول إلى مشاريع منتجة عندما تجد التأطير والدعم والرؤية الواضحة.
إنها قصة نجاح تؤكد، مرة أخرى، أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ليست مجرد برنامج للدعم، بل ورش وطني لصناعة الفرص، وبناء اقتصاد محلي أكثر استدامة، وترسيخ ثقافة الاعتماد على الذات، حتى تصبح كل مبادرة ناجحة بذرة لتنمية أوسع، وكل مشروع صغير بداية لحلم كبير يتحقق على أرض الواقع.



