Hot eventsأخبارأخبار سريعةمجتمع

مشروع قانون المحاماة بين منطق التوافق ومنطق الغلبة: أي ضمانات لمهنة تُصاغ على عجل؟

ذ. زهير أصدور – محام بهيئة الرباط

تتجه الحكومة إلى إحالة مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة على البرلمان في صيغته الأصلية، كما صادق عليها المجلس الحكومي، في خطوة تثير أكثر من علامة استفهام، ليس فقط حول مضمون النص، بل أساسًا حول المنهجية التي تحكم مساره. فبينما كانت الساحة المهنية تعيش على إيقاع حوار متوتر انتهى إلى ما قُدم على أنه “توافق” داخل لجنة مشتركة، تفاجأ المحامون بأن هذا التوافق لم يدمج في النص المحال، بل أرجئ إلى مرحلة التعديل البرلماني.

هنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: ما قيمة التوافق إذا لم يترجم إلى مقتضيات قانونية ملزمة منذ البداية؟ وأي معنى للحوار إذا كان مآله مجرد “مقترحات” قد ترى النور أو تجهض داخل لجنة برلمانية تخضع، في نهاية المطاف، لمنطق الأغلبية العددية؟

إن الإصرار الذي يبديه وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، على تمرير هذا القانون قبل نهاية الولاية التشريعية، يطرح بدوره تساؤلات مقلقة. لماذا هذا الاستعجال في لحظة سياسية يفترض فيها التريث، خصوصا عندما يتعلق الأمر بنص يؤطر مهنة تعد إحدى ركائز منظومة العدالة؟ أليس من الأولى أن يبنى هذا القانون على أرضية توافق صلب، بدل الدفع به في سياق زمني ضيق قد يحوله إلى مصدر توتر دائم داخل الجسم المهني؟

الأخطر من ذلك، أن إحالة المشروع بصيغته الأصلية، مع التعويل على إدخال التعديلات داخل لجنة العدل والتشريع، يمثل مجازفة حقيقية. فالتجربة البرلمانية تظهر أن التعديلات، مهما كان وزنها التوافقي خارج المؤسسة التشريعية، تبقى رهينة ميزان القوى داخلها. والحكومة التي صادقت على النص المثير للجدل، تمتلك في الآن ذاته أغلبية قادرة على تمريره كما هو، أو على الأقل إفراغ التعديلات من مضمونها.

فكيف يمكن للمحامين أن يطمئنوا إلى أن ما تم الاتفاق عليه سيحترم؟ وأين هي الضمانات السياسية والمؤسساتية التي تحمي هذا “التوافق” من السقوط تحت مطرقة الانضباط الحزبي داخل البرلمان؟

إن المفارقة الصارخة تكمن في أن نفس الخطاب الذي كان يرفع في مواجهة احتجاجات المحامين – أي الاحتكام إلى البرلمان باعتباره الفضاء الطبيعي للنقاش الديمقراطي – قد يتحول إلى أداة لتمرير النص الأصلي باسم نفس الديمقراطية. فالديمقراطية، في بعدها العددي، قد تستخدم هنا لإضفاء الشرعية على اختيارات لم تحظ بقبول مهني واسع، وهو ما يطرح إشكالا عميقا حول التوازن بين الشرعية التمثيلية والشرعية التوافقية.

لقد أدى الحوار السابق إلى تعليق الإضرابات التي شلت مرفق العدالة، بناء على وعود واضحة بإدماج التعديلات المتوافق بشأنها. لكن ما يحدث اليوم قد يفهم على أنه إعادة توجيه لهذا المسار نحو قبة البرلمان، حيث ستختبر تلك التعديلات في بيئة سياسية مختلفة، تحكمها حسابات الأغلبية والمعارضة أكثر مما يحكمها منطق التوافق المهني.

إن مهنة المحاماة ليست مجرد قطاع يمكن تدبيره بمنطق الغلبة العددية، بل هي ركيزة أساسية في تحقيق العدالة وضمان الحقوق والحريات. وأي قانون ينظمها، إذا لم يكن نتاج توافق حقيقي، فإنه يحمل في طياته بذور أزمة مستقبلية قد تكون أعمق من سابقتها.

من هنا، يبدو أن الرهان اليوم لم يعد فقط على مضمون النص، بل على وعي الجسم المهني بما يجري. فتمرير التعديلات عبر البرلمان دون ضمانات صلبة، قد يحولها إلى مجرد “واجهة تفاوضية” تستعمل لامتصاص الاحتقان، قبل أن يتم إسقاطها في لحظة التصويت.

إن اللحظة تقتضي يقظة مضاعفة من المحامين، ليس رفضا للمؤسسة التشريعية، ولكن إدراكا لطبيعة توازناتها. فبين منطق التوافق خارج البرلمان، ومنطق الأغلبية داخله، قد تضيع تعديلات صيغت بكثير من الجهد، ليجد المحامون أنفسهم أمام قانون لا يعكس انتظاراتهم، لكنه سيقيد مهنتهم لسنوات طويلة.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقا: هل نحن أمام إصلاح تشاركي حقيقي، أم أمام تمرير سياسي ذكي لنص مثير للجدل تحت غطاء المسار التشريعي؟

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button