بعد 50 سنة من جريمة جزائر بوخروبة

بقلم الكاتب الصحافي عبدالله العبادي
القرارات السياسة لا تنشأ من فراغ، فكل قرار سياسي هو امتداد لمسار تاريخي سابق، إذ لا يمكن تفسير سياسة الجزائر أو سلوكها الاقليمي دون العودة إلى تلك اللحظة، التي من خلالها تم تشكيل النظام السياسي البوخروبي بعد خروج فرنسا من الجزائر الفرنسية. في وقت تتعقد فيه مجريات الأحداث، أصبح الفهم العميق للأحداث لا يساعد فقط في تفسير ما يجري، بل يساعد في صياغة السياسات الأكثر حكمة في التعامل مع الآخر.
وهنا يجب أن نركز على دور الإيديولوجيا والعقيدة في تشكيل السياسات، فبعض الدول، مثل الجزائر، لا تتحرك فقط وفق حسابات المصالح، بل أيضاً وفق منظومات شبه سياسية قد تدفعها إلى أن تتبني مواقف غير عقلانية. كما أن طبيعة النظام السياسي، وغياب التوازنات بين السلط وضعفها، كلها عوامل أثرت وتؤثر في طريقة اتخاذ القرار في بلد يتخبط بين العسكر والاشتراكية وشعارات الحرب الباردة.
لقد مرت خمسون سنة من ارتكاب نظام بوخروبة لجريمة بشعة في حق المغاربة الذين كانوا يعيشون على الأراضي الجزائرية، لقد ارتكب النظام الجزائري أبشع حركة ترحيل في تاريخ البشرية بعد ان أقدم على ترحيل ما يناهز 45 ألف عائلة أي حوالي 350 ألف شخص، وسلب ممتلكاتهم، في أيام عيد الأضحى المبارك من شهر دجنبر من سنة 1975، كرد فعل على المسيرة الخضراء التي نظمها المغرب لاسترجاع أقاليمه الجنوبية.
أيام عسيرة عاشها المغاربة المرحلون في ظروف لا إنسانية، أقل ما يمكن أن يقال عنه أنها جريمة إنسانية مستوفاة الأركان، يتحمل فيها النظام الجزائري والشعب الجزائري مسؤولية تاريخية اتجاه الجار، هذا الجار الذي دافع بالغالي والنفيس من أجل خروج فرنسا من الجزائر، فكان هذا هو الجزاء، وليس بغريب على نظام هاجم الأراضي المغربية بعد استفتاء تقرير المصير، ولم يتوقف هنا بل أنشأ ميليشيات مسلحة لتقسيم المملكة، هكذا كان رد الخير عند نظام شكله ضباط الجيش الفرنسي.
وقد اعتبر الجيران آنذاك نجاح المغرب في استرجاع أراضيه هزيمة سياسية لهم، فاختاروا الانتقام من الأبرياء من المغاربة المقيمين بالجزائر. جاء قرار الترحيل في ليال مباركة، في لحظة كان فيها الناس يتهيؤون لتبادل التهاني، فحوله بوخروبة وبوتفليقة إلى لحظات من الرعب والفزع، اقتحمت فيها السلطات الجزائرية البيوت وأماكن العمل في ساعات متأخرة من الليل، وتم فصل العائلات عن بعضها البعض، واعتقل العديد من الرجال، وصودرت الأموال والمنازل، خرج البعض حفاة، تحت تهديد السلاح، بلا تفسيرات لما يحصل، على شكل جماعات يملؤها البكاء والوجع، نساء وأطفال وشيوخ في البرد القارس، يسيرون نحو الحدود، نحو وطن رحيم لم يخذلهم أبدا.
ورغم هذا الظلم، لم يقابل المغرب القسوة بالقسوة، ولم يطرد ولا جزائري واحد من أراضيه، وهنا يكمن الفرق بين نظام مملكة عريقة وحكم العصابات، لقد استقبلت المملكة أبناءها المرحلين بروح التضامن والتآزر، ليجدوا وطنا فيه الأمن والأمان بعد الخوف، والكرامة بعد الإهانة.
واليوم، نستحضر تلك المأساة، تلك الجريمة، من أجل الإنصاف والذاكرة والكرامة، من أجل ملف لازال حيا، ملف دولة سيجد طريقه للحل قريبا بإذن الله.



