العدوان الإسرائيلي على غزة.. تصعيد عسكري ومأساة إنسانية وسط انقسامات إسرائيلية وضغوط دولية

تشهد غزة منذ فجر اليوم تصعيدًا غير مسبوق في العمليات العسكرية الإسرائيلية، حيث تتواصل الغارات الجوية العنيفة والقصف المدفعي المكثف على مختلف مناطق القطاع، ما أدى إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة أن حصيلة الضحايا خلال الـ24 ساعة الماضية بلغت 75 شهيدًا و370 إصابة، ليرتفع بذلك إجمالي عدد الشهداء منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر 2023 إلى 62,819 شهيدًا وأكثر من 158,629 مصابًا. وأكدت الوزارة أن عشرات المفقودين لا يزالون تحت الأنقاض، بينما تعجز فرق الإنقاذ والدفاع المدني عن الوصول إليهم بفعل القصف المستمر.
استهدافات متصاعدة ومجازر جديدة
استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي محيط مسجد الشمعة في حي الزيتون شرق غزة، فيما قصفت المدفعية أحياء الصبرة والزيتون والشاطئ الجنوبي بشكل متزامن، ما تسبب بحالة من الرعب والنزوح الجماعي خصوصًا في جباليا النزلة شمال القطاع.
وفي الوسطى، شنّت المقاتلات الإسرائيلية غارات مكثفة على النصيرات والبريج ودير البلح، إضافة إلى قصف عنيف في خانيونس، حيث استُهدف محيط مسجد سيد قطب وعمارة أبو رحمة في البلدة القديمة بغزة، مما أسفر عن سقوط عشرات المدنيين، بينهم أطفال.
وفي مجزرة جديدة بالبريج، أكدت مصادر طبية ارتفاع حصيلة الشهداء في قصف منزل عائلة أبو زبيدة إلى ستة شهداء، مع وجود مفقودين تحت الأنقاض، بينما استشهد أب وابنته من عائلة النباهين إثر استهداف منزلهم قرب الجامع الكبير وسط المخيم.
كارثة إنسانية غير مسبوقة
تحذيرات أممية وطبية تتواصل بشأن تفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة؛ حيث أعلنت وزارة الصحة عن 303 وفيات بسبب المجاعة وسوء التغذية منذ بداية الحرب، بينهم 117 طفلًا، وسط تحذيرات من انهيار كامل للمنظومة الصحية مع توقف عشرات المستشفيات عن العمل.
كما شهد مجمع ناصر الطبي بخانيونس قصفًا مباشرًا أسفر عن مجزرة مروعة. وأكدت مصادر طبية أن الهجوم كان متعمدًا، وهو ما وثقه المرصد الأورومتوسطي، مشيرًا إلى أن الجيش الإسرائيلي تعمّد نشر معلومات مضللة بشأن القصف، إذ أن بعض من زُعم أنهم “مستهدفون” كانوا قد استشهدوا في مواقع أخرى قبل الضربة.
وفي ردود الفعل الدولية، وصفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر القصف بأنه “غير مقبول”، مطالبة الاحتلال باحترام المرافق الطبية والصحفيين والعاملين الإنسانيين وفق القانون الدولي. بدورها، اعتبرت منظمة التعاون الإسلامي القصف “جريمة حرب” ودعت إلى محاسبة المسؤولين عنها فورًا.
الصحفيون في مرمى النيران
أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة ارتفاع حصيلة الشهداء الصحفيين إلى 245 منذ بداية العدوان، بعد استشهاد الصحفي أحمد أبو عزيز. وفي المقابل، دعت جمعية الصحافة الأجنبية إسرائيل إلى تقديم توضيحات عاجلة بشأن استهداف الصحفيين ومكاتبهم.
الضفة الغربية والقدس: تصعيد ميداني واستفزازات متواصلة
بالتوازي مع التصعيد في غزة، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي عملية عسكرية واسعة في رام الله شملت اقتحامات وسط المدينة، ومداهمات استهدفت بنوكًا وشركات صرافة، إضافة إلى اعتقالات واسعة في صفوف الشبان. وأفاد الهلال الأحمر الفلسطيني بتسجيل 58 إصابة خلال هذه الاقتحامات، بينها إصابات بالرصاص الحي والمطاطي وحالات اختناق بالغاز.
أما في القدس المحتلة، فقد اقتحم عشرات المستوطنين المسجد الأقصى صباح اليوم، في خطوة وصفت بأنها استفزازية خطيرة، بالتزامن مع تحذيرات اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس من مخاطر الأنفاق “التهويدية” التي تواصل سلطات الاحتلال حفرها أسفل المسجد ومحيطه.
المواقف الدولية والوساطات المتعثرة
دوليًا، تصاعدت الإدانات للعدوان على غزة؛ حيث طالبت الصين إسرائيل بوقف العمليات العسكرية فورًا، فيما دعا الاتحاد الأوروبي – عبر أكثر من 206 دبلوماسيين ومسؤولين سابقين – إلى فرض إجراءات صارمة ضد تل أبيب.
من جانبها، أكدت الخارجية المصرية ضرورة إنهاء العدوان وضمان دخول المساعدات الإنسانية دون قيود، في حين جدّدت قطر التزامها بالوساطة رغم تعثر المفاوضات.
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة معاريف الإسرائيلية عن زيارة وفد مصري إلى تل أبيب لبحث صفقة تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار، غير أن المباحثات لم تحرز أي تقدم ملموس. وأكدت مصادر إسرائيلية أن الوساطة المقبلة قد لا تُدار في مصر أو قطر.
من جهتها، نقلت صحيفة يسرائيل هيوم أن الصفقة المقترحة تشمل إعادة جميع المخطوفين وإنهاء الحرب، لكن الانقسامات الحادة داخل الحكومة الإسرائيلية تعيق التوصل إلى اتفاق نهائي.
انقسامات إسرائيلية داخلية وضغط متزايد على نتنياهو
داخليًا، تشهد الحكومة الإسرائيلية خلافات حادة؛ حيث اتهم رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمحاولة التهرب من صفقة الأسرى خشية فقدان السيطرة السياسية. من جانبه، هاجم زعيم المعارضة يائير لابيد الحكومة، واصفًا عدم مناقشة ملف الأسرى بأنه “وصمة عار أخلاقية”.
وفي آخر تصريحاته، شدد نتنياهو على أن “الحرب بدأت في غزة وستنتهي في غزة”، متعهدًا “بهزيمة حركة حماس وإعادة الأسرى”، بينما وصفت الرئاسة البرازيلية تصريحات وزير الجيش الإسرائيلي كاتس بأنها “مهينة وغير مقبولة”، مطالبةً إياه بتحمل المسؤولية عن الهجمات على المستشفيات.
مشهد مفتوح على جميع الاحتمالات
مع استمرار التصعيد الميداني وتفاقم المأساة الإنسانية، إلى جانب الانقسامات الإسرائيلية الداخلية وتزايد الضغوط الدولية، يبقى المشهد الفلسطيني مفتوحًا على كل الاحتمالات، وسط غياب أي أفق سياسي واضح لوقف إطلاق النار أو التوصل إلى تسوية.



