
«خبزي تحت باطي، ما سمع حد عياطي»
ألمانيا-منير لكماني
لا يبدأ انهيار المجتمعات عندما تتراجع أرقام الاقتصاد، ولا حين تتعثر مشاريع البناء، بل يبدأ في اللحظة التي يفقد فيها الإنسان ثقته بنفسه، وبمجتمعه، وبقدرته على صناعة مستقبله. عندها تتحول الحدود إلى حلم، ويغدو البحر، على قسوته، أقرب إلى الخلاص من الأرض التي يقف عليها.
لا يختصر المثل الشعبي «خبزي تحت باطي، ما سمع حد عياطي» مجرد نزعة إلى الأنانية، بل يكشف خللا أعمق في معنى العيش المشترك. فهو يصور فردا يطمئن إلى نجاته الخاصة، ثم ينصرف عن آلام الآخرين كأنها لا تعنيه. ومع شيوع هذه العقلية، يتراجع الإحساس بالمسؤولية، ويضيق مفهوم المجتمع حتى يصبح مجرد أفراد متجاورين، لا تجمعهم رابطة التضامن ولا وعي المصير المشترك. فالأوطان لا تبنى بمن يكتفي بحماية خبزه، بل بمن يصغي إلى عياط غيره، ويدرك أن النجاة الفردية، مهما بدت مكتملة، تظل ناقصة ما دام الآخرون متروكين لمصائرهم.
تكشف المشاهد المرتبطة بسبتة، بما تحمله من اندفاع نحو المجهول، عن أزمة أعمق من أن تختزل في إجراءات أمنية أو قراءات ظرفية. إنها مرآة تعكس ضعفا في بناء الإنسان، وخللا في تربيته وتكوينه، وعجزا عن منحه الأدوات النفسية والمعرفية التي تساعده على مواجهة الشدة، ومقاومة اليأس، وتحويل الإحباط إلى طاقة للعمل والبناء.
فالإنسان بطبيعته يضعف أمام الخوف، ويضيق بالأزمات، وقد تدفعه لحظة يأس إلى اتخاذ قرارات لا تحكمها الحكمة بقدر ما يحكمها الألم. لكنه، في المقابل، يملك القدرة على التعلم، والصبر، والتغيير، إذا وجد تربية سليمة، وأسرة متماسكة، ومدرسة تبني شخصيته، ومجتمعا يفتح أمامه أبواب الأمل. وهنا تتجلى وظيفة التربية؛ فهي لا تلغي ضعف الإنسان، وإنما تعلمه كيف يتغلب عليه، وكيف يحول المحنة إلى فرصة، واليأس إلى إرادة.
ليس من السهل أن يختار شاب البحر طريقا، وأن يضع حياته بين الأمواج، وأن يراهن على المجهول بكل ما يحمله من خطر. ولا يجوز النظر إلى هذا الاختيار بوصفه مجرد تهور أو اندفاع عابر. فخلف كل محاولة عبور قصة إنسان أنهكه الإحباط، أو ضاقت أمامه السبل، أو فقد الثقة في أن المستقبل يمكن أن يصنعه بيديه. وخلفها، في أحيان كثيرة، فشل في التربية، وضعف في التكوين، وغياب لخطاب يمنح الشباب معنى للحياة، قبل أن يمنحهم وسائل العيش.
إن فهم هذه الظاهرة لا يعني تبريرها، ولا تحويلها إلى بطولة. فالإنسان الذي يركب البحر هربا من واقعه يحتاج، قبل كل شيء، إلى من يعيد إليه ثقته بنفسه، ويقنعه بأن الكرامة لا تبنى بالمغامرة، وإنما بالعلم والعمل والصبر والإتقان. ويحتاج كذلك إلى مؤسسات لا تكتفي بدعوته إلى الصبر، بل تفتح أمامه أبوابا حقيقية للأمل، حتى لا يبقى البحر في نظره أقرب من اليابسة.
وتبدأ صناعة الإنسان من الأسرة، حيث يتعلم الطفل معنى الانضباط، واحترام الذات، وتحمل المسؤولية، وتأجيل الرغبات، والإحساس بالآخر. فالبيت الذي يربي أبناءه على الاتكال، أو يقتل فيهم روح المبادرة، أو يجعل المصلحة الفردية فوق المصلحة العامة، يخرج إلى المجتمع أفرادا يبحث كل واحد منهم عن «خبزه»، غير عابئ بما يحدث لغيره. وهنا يصبح المثل الشعبي وصفا لواقع اجتماعي، لا مجرد عبارة تتداولها الألسن.
ثم تأتي المدرسة، لا بوصفها مكانا لتكديس المعلومات، بل فضاء لصناعة العقل والضمير والشخصية. فالمدرسة الناجحة لا تصنع حافظا للنصوص، وإنما تخرج إنسانا يفكر، ويحاور، ويحترم الاختلاف، ويؤمن بقيمة العمل، ويعرف أن النجاح ثمرة جهد طويل، لا نتيجة قفزة في المجهول.
ولا تكتمل هذه الصناعة من دون تكوين مهني جاد، يربط الإنسان بحاجات المجتمع ويمنحه مهارة تفتح أمامه أبواب الإنتاج والاستقلال. فالشهادة التي لا تمنح كفاءة قد تتحول إلى مصدر جديد للإحباط، أما المهارة فإنها تمنح الإنسان ثقته بنفسه، وتجعله يشعر بأنه قادر على بناء مستقبله بيديه.
غير أن المهارة وحدها لا تكفي. فالمجتمعات لا تحتاج إلى أيد عاملة فقط، بل إلى ضمائر حية. نحن بحاجة إلى إنسان يجمع بين الكفاءة والخلق، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الطموح والانتماء. فلا قيمة لعلم لا يهذب صاحبه، ولا معنى لنجاح يقوم على الأنانية، ولا مستقبل لمجتمع يعرف أفراده كيف يطالبون بحقوقهم، ولا يعرفون كيف يؤدون واجباتهم.
إن صناعة الإنسان ليست شعارا تربويا، ولا برنامجا مرحليا، بل هي المشروع الذي تتأسس عليه كل مشاريع الإصلاح. إنها استثمار في العقل حتى يحسن التفكير، وفي النفس حتى تقوى على الشدائد، وفي الضمير حتى يستقيم، وفي اليد حتى تتقن العمل. وكل إصلاح لا يبدأ بالإنسان، ينتهي إلى إصلاح ناقص، مهما بلغت كلفته ومهما عظمت إنجازاته.
وعندما يفشل المجتمع في صناعة الإنسان، يصبح البحر أكثر من مجرد مساحة مائية؛ يتحول إلى رمز لوهم الخلاص، وإلى باب يطرقه من فقد ثقته في الأرض. وعندها لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا يركب الشباب البحر؟ بل يصبح السؤال: لماذا عجزنا عن بناء إنسان يرى في وطنه مستقبلا، لا محطة انتظار؟
إن الأوطان لا تحميها الأسوار وحدها، ولا تنهض بالإسمنت وحده، ولا تقاس بعدد الجسور والطرق والموانئ. إنها تبنى أولا بإنسان متعلم، مستقيم، ماهر، صبور، يؤمن بأن نجاحه لا ينفصل عن نجاح مجتمعه، وأن خلاصه لا يكون على حساب الآخرين. فالعمران قد يشيد في سنوات، أما الإنسان فلا يبنى إلا بالتربية والقيم والعلم والعمل. لذلك ستظل صناعة الإنسان قبل العمران، لأنها الأصل الذي يقوم عليه كل بناء، والضمانة الوحيدة لألا يصبح البحر يوما وطنا بديلا.



