Hot eventsأخبارأخبار سريعةعين الحدث الافريقي

حين تتحرك الدولة

يبدو المغرب، كبلدٍ لا ينام على وتيرة واحدة. أوراشٌ عملاقة تُنجز بالإسمنت والحديد، وأخرى تُدار بالقانون والتنظيم، وثالثة تُقاس بمدى وصولها إلى الإنسان في قريته وشارعه وهشاشته. مشهد متعدد الطبقات، يوحي بالحركة أكثر مما يوحي بالاكتمال.

في البنيات التحتية، لا يخطئ البصر حجم الرهان. مطارٌ بحجم مدينة، وأرقامٌ بمليارات الدراهم، ورسالة واضحة: المغرب يوسّع بوابته نحو العالم. غير أن السؤال الذي يرافق كل ورش ضخم يظل حاضرًا: هل يواكب الإيقاعُ العمرانيُّ إيقاعَ الحكامة؟ وهل يشعر المواطن بأن هذه المنشآت تُبنى له، أم تُبنى باسمه فقط؟

في العدالة، تقدم تجربة المكاتب القضائية داخل الملاعب نموذجًا مختلفًا للدولة القريبة، السريعة، التي تحسم بدل أن تؤجل. هي عدالة ظرفية نعم، لكنها تكشف أن الاختصار ممكن حين تتوفر الإرادة. ما يحدث في المدرجات يفتح شهية السؤال: لماذا لا تنتقل هذه السرعة إلى ملفات الحياة اليومية؟

أما في الصحة والتضامن، فالقوافل الطبية ووحدات علاج الإدمان ليست مجرد أرقام مستفيدين، بل اعتراف صريح بأن الجغرافيا لا تزال تُنتج الهشاشة، وأن العلاج في المغرب ما زال يحتاج إلى عجلات متنقلة ليصل إلى مستحقيه. هي مبادرات نبيلة، لكنها تظل إسعافًا مؤقتًا إن لم تتحول إلى بنية قارة.

وفي الفلاحة، حيث البرد لا يرحم، يتأكد أن المعركة لم تعد فقط ضد الجفاف، بل ضد تقلب المناخ ذاته. هنا يصبح الانتقال إلى فلاحة ذكية ليس ترفًا تقنيًا، بل مسألة بقاء. فلا دعم القطيع، ولا ترقيم الرؤوس، سيجدي نفعًا إن بقي الفلاح وحيدًا أمام الصقيع.

اقتصاديًا، تبدو المؤشرات مطمئنة: مقاولات تُولد، قروض ترتفع، صناعة تُصدّر، وبنوك ترى في المغرب منصة إقليمية. لكن خلف هذه الدينامية، يختبئ تفاوت صامت بين المركز والهامش، وبين من يلج السوق ومن يُقصى منها بصمت.

وفي خضم كل ذلك، يعود الشتاء ليذكر الدولة بواجبها القديم: حماية من لا مأوى لهم، إنقاذ ما أتلفته الفيضانات، وضبط أسعار ما يدخل كل بيت. هنا، لا تنفع البلاغات ولا الأرقام، بل فقط أثر القرار على المائدة والدفء والكرامة.

المغرب يشتغل، هذا مؤكد. لكن التحدي الحقيقي لم يعد في إطلاق الأوراش، بل في ربطها بخيطٍ واحد اسمه: الإحساس العام بالعدالة. عدالة في التنمية، في الفرص، وفي الشعور بأن الدولة، مهما كبرت مشاريعها، لا تنسى أصغر مواطنيها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button