Hot eventsأخبارأخبار سريعةرياضة

عيد المتقاعد بين الانتظار واليأس

بقلم: مولاي الحسن بنسيدي علي

رحلت السنوات العجاف كما ترحل الغمامة الثقيلة عن صدر السماء، وجاء الفرج من الله غيثًا عمّ الأرض والبهيمة والإنسان. ارتوت الحقول، وازدهرت الثمار، واخضرّت المروج بعد طول اصفرار، وامتلأت السدود بما أعاد الأمل إلى النفوس قبل أن يعيد الماء إلى مجاريه. فارتفعت الأكف شاكرة، ولهجت الألسن حمدًا في السر والعلن، واستبشر الناس بموسم يحمل في طياته وعد الانفراج بعد قسوة الانتظار.
غير أن الغيث، وإن غسل آثار الجفاف من التربة، لا يمحو وحده آثار المعاناة من واقع الناس. فبانقضاء ذريعة القحط، لم يعد مقبولًا أن تبقى الأعذار ذاتها، ولا أن يستمر التعلل بمخلفات الجفاف شماعة تُعلّق عليها أعباء الغلاء وتآكل القدرة الشرائية. إن لحظة الخصب تستدعي قرارات شجاعة، وفي مقدمتها فك العزلة عن المواطن، وتسريع وتيرة تخفيض الأسعار، وتوجيه السياسات العمومية نحو ما ينفع الناس ويمسّ حياتهم اليومية.


وفي صدارة هؤلاء، يقف المتقاعدون المدنيون والعسكريون، أولئك الذين أفنوا زهرة شبابهم في خدمة الوطن، وحملوا أمانة الدولة على أكتافهم عقودًا طويلة. هم الذين قامت بهم المؤسسات، واستقرت بجهدهم الإدارة، وعلا شأن البلاد بتضحياتهم الصامتة. ومع ذلك، وجد كثير منهم أنفسهم أسرى معاشات هزيلة، وأزمنة انتظار مجحفة، لا تليق بما قدّموه ولا بما يُرفع من شعارات الإنصاف والعدالة الاجتماعية.
يستعصي على الفهم، بل على المنطق الأخلاقي قبل السياسي، أن يُكافأ بعض المسؤولين بتقاعد مريح بعد سنوات قليلة من تولي المناصب، بينما يُحرم من ذلك من قضى أربعين عامًا أو يزيد في العمل الجاد والانضباط والتفاني. فأي ميزان هذا الذي يختلّ فيه معيار الاستحقاق؟ وأي عدالة تُرجأ حين يتعلق الأمر بمن خدموا الوطن بصمت ولم يعرفوا طريق الامتيازات؟
إن الفرج الحقيقي لا يكتمل بالمطر وحده، بل بإرادة سياسية تُنصف الإنسان، وترد الاعتبار لمن صنعوا الاستقرار في زمن الشدة قبل الرخاء. عندها فقط، يصبح العيد عيدين: عيدًا في السماء بالغيث، وعيدًا في الأرض بالعدل.
فبأي حال عدت يا عيد؟

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button