
بقلم: زهير أصدور**
يأتي المرسوم رقم 2.25.1064 الصادر بتاريخ 2 رجب 1447 (23 دجنبر 2025) في إطار تفعيل مقتضيات القانون رقم 58.23 المتعلق بنظام الدعم الاجتماعي المباشر، ولا سيما المادة 16 منه، ويهدف إلى تنظيم شروط وكيفيات استفادة الأطفال اليتامى والأطفال المهملين، نزلاء مؤسسات الرعاية الاجتماعية، من إعانة خاصة ذات طبيعة حمائية.
ومن حيث المبدأ، يندرج هذا النص ضمن التزامات الدولة في مجال حماية الطفولة وتعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفئات الهشة، انسجامًا مع مقتضيات الدستور، ولا سيما الفصلين 31 و32، ومع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الطفل.
غير أن القراءة القانونية والحقوقية المتأنية لمقتضيات هذا المرسوم تبرز جملة من الملاحظات الجوهرية، سواء على مستوى فلسفة النص أو على مستوى آليات تنزيله.
أولًا: في المرجعية القانونية والاختيارات العامة.
يرتكز هذا المرسوم على مرجعية قانونية متكاملة، تجمع بين مدونة الأسرة، والقانون رقم 72.18 المتعلق بالسجل الوطني للسكان، والقانون رقم 58.23 الخاص بنظام الدعم الاجتماعي المباشر، وهو ما يعكس توجّهًا تشريعيًا يرمي إلى توحيد قواعد الاستهداف الاجتماعي وربط الاستفادة من الإعانات بمنظومات رقمية موحّدة. ويُفهم من هذا الاختيار السعي إلى تعزيز الحكامة، وضبط آليات الاستفادة، وتفادي الازدواجية في الدعم العمومي.
غير أن هذا التوجه، رغم وجاهته من الناحية التنظيمية، يثير تساؤلات حقوقية حول مدى مراعاته لخصوصية وضعية الأطفال اليتامى والأطفال المهملين، ومدى انسجامه مع مبدأ الولوج الفعلي والمتكافئ إلى الحقوق الاجتماعية. فاشتراط التقييد في السجل الوطني للسكان قد يؤدي عمليًا إلى إقصاء بعض المستفيدين المحتملين بسبب عراقيل إدارية لا دخل لهم فيها، خاصة الأطفال المتخلى عنهم أو الذين لم يتم تسجيلهم عند الولادة.
اقتراح تعديل عملي: السماح للأطفال غير المسجلين بالاستفادة استثنائيًا بناءً على شهادة ولادة أو تقرير من مؤسسة الرعاية الاجتماعية، مع فتح مسار سريع لتسوية وضعية التسجيل بالتنسيق مع السلطات المحلية، بما يضمن عدم حرمان الطفل من الدعم بسبب إجراءات إدارية خارج إرادته.
ثانيًا: في شروط الاستفادة ومدى احترام مبدأ المصلحة الفضلى للطفل.
نصت المادة الأولى على شروط متعددة للاستفادة، من بينها التقييد في السجل الوطني للسكان، وعدم الاستفادة من التعويضات العائلية أو المنح الدراسية.
ورغم مشروعية هذه الشروط من زاوية تنظيمية، فإنها قد تؤدي عمليًا إلى إقصاء بعض الأطفال لأسباب إدارية أو تقنية لا دخل لهم فيها، وهو ما قد يتعارض مع مبدأ المصلحة الفضلى للطفل باعتباره مبدأً موجّهًا في التشريع الوطني والمواثيق الدولية.
كما أن اشتراط صدور حكم نهائي يصرّح بإهمال الطفل بالنسبة للأطفال المهملين، يظل رهينًا ببطء المساطر القضائية، مما قد يؤخر الاستفادة من الإعانة في مرحلة عمرية حرجة.
اقتراح تعديل عملي: اعتماد آليات انتقالية مؤقتة تتيح للطفل الاستفادة من الإعانة فور إثبات وضعية الإهمال مبدئيًا من طرف مؤسسة الرعاية الاجتماعية أو النيابة العامة، مع تحديد أجل زمني قصير للمصادقة الإدارية على الاستفادة المؤقتة. ويمكن استرجاع المبالغ فقط في حالة ثبوت إساءة الاستفادة بعد صدور الحكم النهائي، ما يضمن حماية الطفل دون تأخير الدعم.
ثالثًا: في المسطرة الإدارية وضمانات الحماية.
أسند المرسوم دورًا محوريًا لمدير مؤسسة الرعاية الاجتماعية في إيداع الطلبات، تتبعها، والتصريح بالتغييرات، إضافة إلى مسطرة التظلم.
ورغم أهمية هذا الدور، فإن تركيز المسطرة في يد الفاعل الإداري ذاته، دون إقرار آليات مراقبة مستقلة أو تمكين الطفل أو نائبه الشرعي من مواكبة قانونية فعالة، يطرح إشكالًا على مستوى ضمانات الشفافية وحماية حقوق المستفيدين.
كما أن اعتماد المنصة الإلكترونية كقناة وحيدة تقريبًا للتدبير، قد يحدّ من فعالية النص في مؤسسات تعاني من ضعف الموارد البشرية أو التقنية.
اقتراح عملي: تعزيز دور المرافعة القانونية للطفل أو نائبه، ووضع آليات رقابة مستقلة على قرارات الإعانة لضمان الشفافية وحماية الحقوق، مع توفير بدائل لإيداع ومتابعة الطلبات في المؤسسات التي تعاني من ضعف البنية التحتية الرقمية.
رابعًا: في مبلغ الإعانة وطبيعته الحمائية.
حدد المرسوم مبلغ الإعانة الخاصة في 500 درهم شهريًا، مع ضمان حد أدنى إجمالي قدره 10,000 درهم عند بلوغ سن الرشد القانوني.
ورغم أن هذا المقتضى يحمل بعدًا إيجابيًا من حيث ضمان حد أدنى من الادخار لفائدة الطفل، فإن المبلغ المحدد يظل محدودًا بالنظر إلى الحاجيات الفعلية للأطفال نزلاء مؤسسات الرعاية، وإلى متطلبات إدماجهم الاجتماعي والاقتصادي بعد مغادرة المؤسسة.
خامسًا: في الحكامة والمراقبة واسترجاع المبالغ.
منح المرسوم الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي صلاحيات واسعة في التحقق واسترجاع المبالغ المصروفة بدون وجه حق، وهو توجه مفهوم في إطار تخليق الدعم العمومي، غير أنه يستوجب، من منظور حقوقي، إرساء ضمانات إجرائية أوضح لفائدة الطفل، خاصة في الحالات التي يكون فيها الخطأ ناتجًا عن تقصير إداري لا يد له فيه.
كما أن وقف باقي أشكال الدعم فور قبول الاستفادة من الإعانة الخاصة يعكس منطق التعويض بدل التكامل بين آليات الحماية الاجتماعية، وهو خيار قد يؤثر سلبًا على مستوى الحماية الشاملة.
يُعد هذا المرسوم خطوة تنظيمية مهمة في مسار تنزيل نظام الدعم الاجتماعي المباشر، ويؤسّس لإطار قانوني خاص بإعانة موجهة للأطفال اليتامى والأطفال المهملين. غير أن فعاليته الحقوقية تظل رهينة بمدى:
-تبسيط شروط الولوج، بما يشمل الأطفال غير المسجلين أو من يعانون عراقيل إدارية؛
-اعتماد آليات انتقالية مؤقتة لتفادي التأخير القضائي؛
-تعزيز الضمانات الإجرائية والرقابة المستقلة.
-مراجعة المبالغ بما ينسجم مع الكلفة الحقيقية للعيش واحتياجات الأطفال؛
-اعتماد مقاربة تكاملية تجعل من الإعانة أداة لدعم مسار الكرامة والاندماج، لا مجرد إجراء مالي محدود الأثر.
*رئيس مؤسسة عيون لحقوق الإنسان.



