Hot eventsأخبارأخبار سريعةعين العقل

مصر التي في خاطري

بقلم الأستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي

قد يأخذنا الانفعال أحيانًا، حين نشعر بالغبن أو بالإساءة، من جارٍ أو صديقٍ تقاسمنا معه الملح والطعام والمحبة. تدخل المصالح، أو تتسلل السياسة، أو تعصف الغوغائية بالعقول، فنفسد بأيدينا جبالًا شُيّدت على الودّ والصفاء. وما أقسى أن نكتشف، بعد فوات الأوان، أننا خسرنا إنسانًا أو علاقةً كان يمكن أن تبقى لو أننا أنصتنا أكثر لصوت الحكمة.


وفي لحظة الجلوس مع الذات، حيث الصمت أصدق من الضجيج، نسترجع تلك العلاقات فنشعر بإحساسٍ غريب: حنينٌ دافئ لما مضى، واعترافٌ خفيّ بأن الإنسان لا يُختزل في خلافٍ عابر، ولا تُمحى الذاكرة الجميلة بعارضٍ طارئ.
تأخذني هذه الخواطر إلى سنوات التعلّم، يوم كنت أتلقى دروسي في القانون على أيدي جهابذة وفقهاء من مصر، أولئك الذين لم يكونوا أساتذة فحسب، بل آباءً بالمعنى الإنساني والعلمي. كانوا يحفّزوننا على النهل أكثر، وعلى ألا نكتفي بظاهر النص، بل نغوص في جوهره، ونبحث عن معناه العميق.
وأذكر، بكل اعتزاز، الفقيه والعالم الجليل الدكتور عماد عبد الحميد النجار، حين كان يسألنا عن تفسير نص قانوني، فإذا تلعثمنا ابتسم وقال بهدوء العالم الواثق:
«يجب أن تستحضروا روح القانون».
كانت جملة قصيرة، لكنها مفتاح علمٍ كامل؛ علمٍ لا يُقدّس الحرف إذا قتل العدل، ولا يفصل القانون عن مقاصده الإنسانية.


عشقت دروسه، كما عشقت دروس كثيرين من أمثاله، ممن أنجبتهم مصر عبر تاريخها الطويل في الفكر والقانون. مصر التي قدّمت للعالم أسماءً خالدة في الفقه والقضاء، من أمثال عبد الرزاق السنهوري، مهندس القانون المدني العربي، والسيد عبد الحكيم عامر في فقه القضاء الإداري، وسليمان مرقس، ومحمد كامل مرسي، وغيرهم من الرجال الذين جعلوا من القانون رسالة، لا مهنة، ومن العدالة قيمة لا شعارًا.
ومن خلال هؤلاء، أحببنا مصر دون أن نزورها. كنا نسأل عن الأهرامات، عن القاهرة وأسوان والإسكندرية..، عن الأزهر وشيوخه، عن حضارة تمتد آلاف السنين، وعن فنٍّ صنع وجدان الأمة، وعن بطولاتٍ نقشها التاريخ بمداد الفخر وعن النيل هبة الله… وكان أساتذتنا يحثّوننا على زيارة مصر، ويبدون ترحيبا باستضافتنا، وكأنها زيارة إلى بيتٍ ثانٍ لا إلى بلدٍ بعيد.
شغلتنا ظروف الحياة، ولم يكتب الله لنا بعد زيارة مصر الغالية، ولا لقاء أساتذتنا وجهًا لوجه، لكن الشوق ما زال في القلب، والعرفان لا يشيخ. فما زلت، إلى اليوم، أتلقى علومهم في مراحل تعليمي العالي، سواء من المغرب أو مصر أو السودان أو العراق أو الأردن أو سوريا أو الجزائر؛ فالعلم لا يعرف حدودًا، والفضل لا جنسية له.
لهؤلاء جميعًا، أساتذتي الذين علّموني أن المعرفة أخلاق قبل أن تكون نصوصًا، وأن روح القانون أسمى من حرفه، أقف إجلالًا واحترامًا.
ولمصر، حضارةً وتاريخًا وفنًا وبطولات، أقول: لم تكوني يومًا مجرد جغرافيا، بل كنتِ مدرسةً في العقل والوجدان، وذاكرةً حيّةً في قلوب من تعلّموا على يد أبنائك، حتى وإن حالت المسافات دون اللقاء.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button