الخيانة العظمى..

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي
السرقة ليست فعلًا عابرًا ولا حرفة هامشية، بل صارت ـ عند بعضهم ـ ثقافة متكاملة، تتبدل أدواتها بتبدل المواقع. قد يبدأ الأمر بيدٍ تمتد خلسة، ثم يتطور إلى أساليب ملتوية، فابتزازٍ مقنّع، فتهديدٍ مغلّف بالشرعية. والسارق، مهما تنكّر، يظل كائنًا عليل الروح، ينتشي لحظة تجريد غيره، ويخلط نشوة الانتصار بوهم التفوق، حتى يصبح المرض هو القاعدة، والاستثناء هو النزاهة.
ولم تعد السرقة حكرًا على المال أو المتاع أو على لقمة الغلابة؛ فقد تسللت إلى المجال العام، حيث سُرق شرف السياسة على أيدي محسوبين عليها، دخلوا ساحتها بلا مشروع ولا ضمير. هناك تُسرق الأصوات في الحملات الانتخابية، تُجمّل الشعارات وتُفرّغ الإرادات، فيصوّت الناس، ثم تُختطف أصواتهم في الطريق، وتُعاد تركيبتها بما يخدم غيرهم، كأن الإرادة الشعبية مجرد رقم قابل للمحو والاستبدال.
لكن العجيب، بل المضحك حدّ البكاء، أننا لم نسمع يومًا أن السرقة بلغت هذا القدر من الجرأة: أن تُختطف كأسٌ دولية على مرأى العالم، ثم يُنتظر من المجتمع الدولي أن يصفّق، ويهنئ، ويبارك، بلا حياء ولا خجل، مع نفخٍ متعجرف في كانونٍ من جمرٍ ما زال يحرق الأصابع في أقبية المرادية.
وقد شهدت المنابر الإعلامية، ومعها الشاشات الفضائية، عرضًا بهلوانيًا قدّمه فريق “الثعالب الكاسرة”؛ لم يكن هدفه كأس التتويج بقدر ما كان كسر شوكة وطنٍ بأكمله، بإيعازٍ من أفاعٍ سامّة برتب كبرانات، لا تعيش إلا على نفث سمّها في صدور من أحسنوا إليها، وفتحوا أبوابهم يومًا لأبنائهم، وتُسرق المناصب كذلك، لا بالاستحقاق ولا بالكفاءة، بل بالتحايل وتسلق أكتاف المجتهدين. يُغَيَّب أصحاب الجهد، ويُقدَّم ضعاف النفوس إلى الواجهة، فيجلسون على كراسٍ لم يصنعوها، ويتوشحون بأوسمة لم يناضلوا من أجلها. عرقٌ يُنسى، وتاريخٌ يُسطى عليه، باسم “الواقعية” تارة، و”التوافق” تارة أخرى.
ثم تبلغ السرقة ذروتها حين تتجاوز المعنى إلى الجسد ذاته؛ فيُسرق الدم من صاحبه، وتُنتزع أعضاؤه، لا دائمًا في الظلام، بل أحيانًا تحت عناوين براقة، وبإجراءات باردة، تفرغ القيم من إنسانيتها، وتحول الإنسان إلى رقم أو مورد.
وفي مشهد لا يخلو من سخرية مُرّة، يُقدَّم كل هذا أمام أعين العالم، ويُنتظر من الضحية أن تصفق، ومن المجتمع أن يبارك، وكأن السرقة إن ارتدت ثوب الإنجاز صارت فضيلة، وإن رُفعت على المنصّات غُسلت من خطيئتها.
هكذا، في زمنٍ ملتبس، لم يعد السارق يختبئ في الظلال، بل يعتلي المنابر، يخطب في الأخلاق، ويطالب بالتصفيق، فيما يُطلب من الضحية الصمت… حتى لا تعكّر صفو الاحتفال.
وتلكم لعمري هي الخيانة العظمى.



