
بقلم/ بديعة الراضي
حين يطرح موضوع التشيع في المغرب، يقدم على أنه تنوعا مذهبيا محدود التأثير، أو قناعة لا ترقى إلى مستوى الظاهرة الاجتماعية الواسعة. غير أن القراءة السياسية-الثقافية الأعمق تطرح سؤال النوايا، لا على مستوى الأفراد، بل على مستوى الدولة التي تحتضن هذا المشروع وتؤطره خارج حدودها.
فهل نحن أمام امتداد ديني طبيعي؟ أم أننا أمام استراتيجية نفوذ تتخفى وراء الثقافة المذهبية؟لقد أثبتت التجربة الإقليمية أن إيران لا تفصل بين الديني والسياسي في بنيتها النظرية والعملية.
فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية سنة 1979، ارتبط مفهوم “تصدير الثورة” بالبعد العقائدي، وأصبح التشيع، في الكثير من تمظهراته الخارجية، بوابة لتمرير رؤية جيوسياسية، الشيء الذي يتجسد في نظرية “ولاية الفقيه” التي نظر لها الخميني، حيث لا تشكل المرجعية الدينية شأنا روحياً صرفاً، بل سلطة سياسية عابرة للحدود.
من هذا المنطلق ونحن نتابع التطورات الإقليمية في الشرق الأوسط التي انتهت بفتح النار في كافة الواجهات ، يحق للمغرب، بحكم خصوصيته المذهبية التاريخية، أن يتعامل مع أي تمدد مذهبي مرتبط بدولة ذات مشروع توسعي بحذر مشروع. فالمسألة لا تتعلق بحرية المعتقد، بل بتوظيف الانتماء المذهبي كأداة لإعادة تشكيل المجال الرمزي الوطني.
إن ذلك يبدو واضحا في تنشر كتب بعينها، وتمويل منصات رقمية محددة، وتقديم سردية سياسية مغلفة بخطاب المقاومة، ليصبح السؤال ضرورة ملحة عن مصدر هذا التوجيه وعن أهدافه وتطلعاته.
وفي هذا المنحى نعتبر المدخل الثقافي الذي رصدت له خرائط وميزانيات هو الأكثر فاعلية في مشاريع الامتداد، لأنه يتجاوز الحواجز الرسمية ويخاطب الوعي مباشرة مستغلا في ذلك فاعلية الثقافات العابرة للحدود وتمكنها من الوصول السهل إلى العقول، لتبدو فالندوات الفكرية، والترجمات الانتقائية، وإبراز رموز الثورة الإيرانية بوصفهم نماذج تحررية، كلها أدوات لإعادة بناء التعاطف الرمزي قبل أي انخراط تنظيمي.
وهنا يكمن موضع الشك: هل االأمر يتعلق بإثراء التعدد الفكري؟ أم صناعة ولاء عاطفية وفكرية تخدم تقاطعات سياسية لاحقة؟إنّ قراءة التجارب في بعض دول المشرق تتظهر أن الحضور الثقافي قد يسبق الحضور السياسي بسنوات، وأن بناء النواة الفكرية الصلبة هو الخطوة الأولى في أي مشروع نفوذ بعيد المدى.
لذلك فإن التعاطي مع “التحرك الشيعي” في المغرب لا ينبغي أن ينحصر في عد المنتسبين أو مراقبة الأنشطة العلنية، بل في تحليل الخطاب، ورصد شبكات التأثير، وفهم التمويلات، واستكشاف الروابط غير المعلنة بين العمل الثقافي والرؤية الاستراتيجية للدولة الحاضنة .
ولكي لا نفهم خطأ، فالتشكيك في النوايا لا يعني تبني خطاب تخويني ، ولا يعني اتهام الأفراد، بل يعني مساءلة الدولة التي تمتلك مشروعاً إقليمياً واضح المعالم. فحين تكون العقيدة جزءا من هندسة السياسة الخارجية، يصبح من المشروع أن يقرأ كل تحرك ثقافي في ضوء هذا الاندماج البنيوي بين الإيمان والسلطة.
فالمملكة المغربية والتي راكمت عبر قرون نموذجاً دينياً متوازناً ومتصالحاً مع محيطه، ليس ساحة فارغة قابلة لإعادة التشكيل. غير أن التحولات الرقمية والانفتاح الإعلامي جعلا المجال الرمزي أكثر هشاشة أمام الاختراقات الناعمة.
ومن هنا، فإن تعزيز الأمن الثقافي لا يكون بإغلاق الأبواب، بل بتقوية المناعة الفكرية، وتحصين التعليم الديني، ودعم البحث العلمي المستقل القادر على تفكيك الخطابات الوافدة بدل الاكتفاء برفضها.
وعندما أقول بصوت عال أنه “في كل تحرك شيعي… فتش عن إيران في المغرب” فالأمر لا يتعلق بالتحريض بل هو دعوة إلى قراءة الظواهر في سياقها الجيوسياسية.
فالثقافة، حين تغلف بمذهب، قد تحمل في طياتها مشروع دولة. والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً هو: هل نحن أمام تفاعل معرفي طبيعي بين حضارتين، أم أمام امتداد محسوب يرسم خرائط نفوذ جديدة بهدوء؟.
الإجابة لا تكون بالانفعال، بل بالتحليل اليقظ الذي يوازن بين حماية السيادة الرمزية واحترام الحريات الفردية، دون أن نغفل أن القوة الناعمة قد تكون، أحيانا، أشد تأثيرا من القوة الصلبة.



