انتعاش تجارة الغش في رمضان الباريسي

باريس ـ أحمد الميداوي
غريب كيف أن الأسواق المغربية بباريس تتحول في شهر رمضان إلى منافذ رئيسية للسلع المغشوشة والبضائع الفاسدة، حيث لا رادع للمحتالين ممن أشاعوا ثقافة الغش في الوسط الاغترابي، ولا حماية للمستهلكين في ظل الفراغ التفتيشي للسلطات الفرنسية التي لا تريد الاقتراب من مافيا هذه الأسواق التي انتعشت فيها تجارة الأنفاق، بعد أن أغرقها النصابون بسلع مغشوشة مستقدمة من قنوات سرية لا تخضع لأجهزة التفتيش والمراقبة.
وأنت تتجول بداخل هذه الأسواق التي تعج بمكبرات الصوت، يلفت انتباهك تهافت الباعة بشكل يثير الكثير من التقزز، نحو الزبناء لحملهم على اقتناء السلع المعروضة بشكل متناثر على رفوف العربات الراجلة وعلى الرصيف، أو بداخل المتاجر البلاستيكية التي صممت عشوائيا لاستيعاب كل المواد، من خضر وأغذية وحلويات وفطائر وأجبان، تفوح جميعها برائحة الغش والفساد، كما هو حال الأسواق القروية المغربية. فمعظم البضائع المعروضة هي مستقدمة من قنوات سرية لا تخضع لأجهزة التفتيش والمراقبة.. بضائع لا يملك المستهلك المغترب من خيار سوى اقتنائها حتى وإن كان يدرك جيدا أنها عديمة السلامة الصحية.
الأجبان والألبان بمختلف أنواعها مغشوشة، وللمحتالين مهارة عالية في تغليفها بعد استنساخها، حتى إن أصحاب المصانع أنفسهم، لم يعودوا قادرين على التمييز بين البضائع الأصلية ونظيراتها من البضائع المقلدة، بالعين المجردة. . المعسولات، مثل المحنشة والبريوة والبحلاوة، لا علاقة لها بالعسل، فهي جميعها مصنوعة من مادة السكر التي تصبح عائمة فوقها، بعد مرور أسبوعين عن صنعها.. الحلويات المغمورة باللوز مثل الكعبة أو المقروط، هي عبارة عن عجين محشو بمادة “الكوكاو” المنسوم بسائل روح اللوز.. لا منتوج غدائي واحد تراعى فيه معايير صحة وسلامة المستهلك الذي يقبل على سلع يعرف أنها مغشوشة ولكنها ضرورية في وجبات الإفطار.
ولم يبق لهذه الأسواق العشوائية، سوى تقنين الغش ليصبح من السلوكات الاعتيادية التي تميز المشهد الاغترابي المغربي. فظاهرة الغش بهذه الأسواق لا تقتصر في رمضان على المستلزمات المنزلية والملابس والأقمشة، بل تطال كل المواد الغذائية المعلبة التي ينفرد فيها المحتالون بمهارة كبيرة في التقليد والاستنساخ ويعرضونها بأثمنة رخيصة.
وأنت على أهبة الدخول لهذه الأسواق، يلفت انتباهك هذا الكم الهائل من الشرائط ولأسطوانات المدمجة، التي تتوعد بنار جهنم على لسان فقهاء وهميين، يُحرّمون على أهوائهم، وكتب من غير دور نشر مفروشة على الرصيف، تخوض في شروحات ظلامية لرسالة الإسلام، وتنشر ثقافة مبتورة المصادر والمراجع.
وإلى جانب مروجي الخطابات المتوعدة بالنار والجحيم، يلفت انتباهك في بعض فضاءات هذه الأسواق، فريق الدجالين والسحرة والعرافين الذين لا يتركون سوقا إلا واكتسحوها لتقديم خدماتهم لبعض الشرائح المغلوبة وممارسة تجارة السحر والشعوذة عليها.
وبعيدا عن هذه الأسواق، يعيش المغترب وخاصة في رمضان ظاهرة غش أخرى، تتمثل في “اللحوم الحلال” المعروضة بكل الأحياء والمناطق الباريسية، وهي ليست لحوم حلال. وقد كشفت الشرطة مؤخرا في باريس، عن فضيحة بيع لحوم غير صالحة للاستهلاك الإنساني، يزعم أصحابها بأنها لحم حلال، وهي عبارة عن كميات من اللحوم المخزنة في مستودعات للتبريد، لا تتوفر فيها الشروط الصحية، لأنها لا تحمل خاتم الرقابة الرسمية المعتمد.
ويطرح اللحم الحلال وخاصة في رمضان مشكلة حقيقية في فرنسا. فعلى الرغم من عدم توفر إحصائيات دقيقة، ثمة دلائل ملموسة على أن ما يزيد عن خمسين في المئة من اللحم المسمى حلالا في فرنسا، هو في الواقع غير مذبوح حسب الشريعة الإسلامية. والأدهى أن ثمة جزارين يستغلون آيات الله الحسنى، وصور مكة المكرمة أو الكعبة الشريفة، لترويج بضاعتهم التي يزيد عادة ثمنها عن اللحم غير المذبوح على الطريقة الإسلامية. وإذا كان اللحم غير الحلال لا يؤذي الإنسان ولا يجوز بالتالي إتلافه، فإن القضاء الفرنسي يسمح مع ذلك بمحاسبة بائعيه بموجب قانون إساءة تسمية أصناف الطعام.
ومن جهة أخرى، فقد شنت عدة منظمات وجمعيات إسلامية حملة لمقاطعة تمور إسرائيلية تباع بكثافة هذه الأيام في مختلف المحلات التجارية الرمضانية تحت اسم “تمور الأردن”. وحذرت من أن التمور الإسرائيلية انتشرت بشكل غير مسبوق في كل المتاجر الواقعة بالمناطق ذات الكثافة العربية والإسلامية، كما دعت أعضاء الجالية الإسلامية إلى الحذر والتأكد من مصدر العلامة التجارية للبلد قبل شراء أي نوع من التمور.



