Hot eventsأخبارعين العقل

حنين إلى أيام شهر رمضان بمدينة وجدة

بقلم الأستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي

كان لرمضان زمان.. طعمٌ آخر، طعمٌ لا يُقاس بما يُقدَّم على الموائد بقدر ما يُقاس بما كان يسكن القلوب من ألفةٍ وصفاء. كانت البيوت تضج بالحياة قبل موعد الإفطار، وتتحول الأزقة إلى فضاءٍ صغيرٍ تتقاطع فيه التحايا والابتسامات، وكأن الحي كله أسرة واحدة. لم تكن لَمَّة الأحباب عادةً عابرة، بل كانت طقسًا من طقوس المحبة، يلتقي فيه الأقارب والجيران حول مائدة الرحمن، يتقاسمون اللقمة كما يتقاسمون الحكايات والذكريات وتمثيلية الأزلية سيف بن دي يزن.
في تلك الأيام كان البيت ينبض بدفءٍ خاص، وكانت الأم سيدة الطقوس الرمضانية بلا منازع. في المطبخ تنشغل بإعداد حلويات الدار، وتلتف حولها الأخوات والخالات، فيتحول العمل إلى لحظة فرحٍ جماعي. كانت رائحة الكعك وخبزة البيضة وكعب الغزال والمرشوم والشباكية والبغرير والملوي ورائحة توابل الحريرة وتحميص القهوة تتسلل من النوافذ إلى الأزقة، فتعلن أن رمضان قد حلّ ببركته. لم تكن تلك الحلويات مجرد وصفات تقليدية، بل كانت ذاكرة عائلية تُصنع بحب، وتكبر مع الأطفال الذين كانوا ينتظرون لحظة خروجها من الفرن كما ينتظرون العيد.
وللصغار في ذلك الزمن عالمٌ آخر من البهجة؛ كانوا يتشبثون بكتف الجد والجدة، يستمعون إلى حكايات الأمس التي تُروى ببطءٍ جميل، حيث تختلط الحكمة بالطرافة، ويكبر الخيال في عيونهم وهم يتخيلون تلك الأزمنة البعيدة. كانت تلك اللحظات البسيطة تبني في نفوسهم إحساسًا عميقًا بالانتماء، وتجعل من البيت ملاذًا دافئًا لا يضاهيه شيء.
وأروع ما في ليالي رمضان أن أمسك بيد والدي وجدي وأرافقهما إلى المسجد العتيق لأداء صلاة التراويح.
وأذكر وأنا طفل صغير صوتًا كان جزءًا من ملامح ذلك الزمن. قبيل السحور، كان الصمت الليلي يُكسر بنغمة مزمار النفّار، ينفخه رجل عرفه الجميع باسم “با حماد الغياط”. كان يجوب أزقة ودروب مدينة وجدة القديمة بهدوء، يوقظ النائمين بنغمةٍ بسيطة لكنها عميقة الأثر. كنا نستيقظ على صوته بشيءٍ من الفرح، وكأن تلك النغمة وعدٌ جديد ببركة يومٍ من أيام رمضان.
غير أن الزمن تغيّر، ومعه تغيّرت أشياء كثيرة. تراجعت لَمَّة الأحباب، وبهتت مجالس الأصدقاء عند ناصية الحي، وغابت حكايات الزمن الجميل التي كانت تُروى في الليالي الرمضانية الطويلة. اختفت حلويات الدار شيئًا فشيئًا لتحل محلها منتجات جاهزة بلا روح، وغزا الهاتف الذكي حياتنا حتى صار كل واحدٍ منا يعيش في عالمٍ خاص، تحدّق العيون في الشاشات بدل أن تتلاقى في الوجوه.
ورحل “با حماد الغياط”، فسكت مزمار النفّار الذي كان يوقظ الحي للسحور. ومع رحيله بدا وكأن صفحةً من ذاكرة المكان قد أُغلقت. ومع ذلك ما يزال صدى ذلك المزمار حيًا في وجدان من عاشوا تلك الأيام، يوقظ فيهم حنينًا عميقًا إلى زمنٍ كانت فيه العلاقات أكثر دفئًا، وكانت فيه البساطة سرّ الجمال.
إن الحديث عن تلك الأيام ليس مجرد استدعاءٍ لذكرياتٍ عابرة، بل هو تذكير بقيمة العلاقات الإنسانية حين تكون صادقة وقريبة من روح الحياة. فالتقنية التي قرّبت المسافات بين الناس لم تستطع أن تعوّض دفء اللقاء المباشر، ولا طمأنينة الجلوس حول مائدةٍ واحدة. لذلك يبقى الحنين إلى ذلك الزمن الجميل حنينًا إلى الإنسان نفسه، إلى لحظةٍ كان فيها القلب أقرب إلى القلب، وكانت الحياة أبسط لكنها أصدق.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button