مساكين على مائدة رمضانية

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي
نُصبت الموائد حتى حسبتها عرسًا امبراطوريا لا إفطارًا عابرًا. أطباق تتزاحم كما تتزاحم الوعود، وكؤوس تلمع كما تلمع الابتسامات المصطنعة. حضر “الأعيان” في أبهى الحُلَل، تتقدمهم سيارات فاخرة تكاد تحتاج هي الأخرى إلى دعاء المسافرين. صافحوا الكاميرات أكثر مما صافحوا الناس، وتبادلوا عبارات التبريك كأنهم اكتشفوا فجأة فضيلة الصيام بعد طول غياب.
رُصدت ميزانية خاصة تكفي – لو وُزِّعت بعدل – لإسكات جوع مدينة كاملة، لكنها هنا خُصصت لإسكات ضمير صورة، وتلميع شعار. سُمِّي الحدث “إفطارًا جماعيًا”، والجماعة – كما يبدو – هم أصحاب المقاعد الوثيرة، أما الصائمون الحقيقيون فكانوا خارج الأسوار، يصومون عن الطعام والاهتمام معًا.
في الداخل، خطابات قصيرة بنكهة الشوربة الساخنة، وتصفيق على مقاس الكاميرا، وعبارات من قبيل “نحن قريبون من المواطن”، قيلت من خلف حواجز فندقية سميكة. وفي الخارج، وعلى شاشة الفضاء الأزرق، تجمهر المساكين يتابعون البث المباشر، يحدّقون في أطباق لا يعرفونها إلا من الإعلانات، علَّ أحدًا يتذكر أن الإفطار ليس صورة تُلتقط بل جوع يُسدّ.
يا لها من مائدة رمضانية! تُشبِع العدسات قبل البطون، وتُرضي الصناديق قبل القلوب؛ ألوانها زاهية بريش الحمام البرية وكألوان الحملات الانتخابية، وأطباقها مرتبة كما تُرتب الشعارات، وكل شيء محسوب بدقة… إلا حساب الفقراء.
هي ليست مائدة للمساكين، بل مساكين المائدة؛ أولئك الذين ظنوا أن الكرم يُقاس بعدد الصور التي تلتقط لا بعدد الأرغفة التي تصل إلى بيوت لا تعرف موائد الفنادق. إفطار جماعي نعم… لكنه جماعي لمن يملكون الكراسي، أما الصائمون فحصتهم صورة عابرة وتعليق موسمي: “رمضان كريم”.



