
بقلم: أنس زيزي
تُخلّد جهة الشرق اليوم الذكرى الثالثة والعشرين للخطاب الملكي السامي الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمدينة وجدة، والذي شكّل محطة تاريخية بارزة في مسار التنمية الجهوية، وأرسى رؤية استراتيجية طموحة للنهوض بالجهة وتعزيز اندماجها الاقتصادي والاجتماعي.
فلقد كان ذلك الخطاب بمثابة إعلان عن بداية مسار طويل من الأوراش الكبرى، التي همّت تحديث البنيات التحتية، وتعزيز جاذبية الجهة، غير أن الأهمية الحقيقية لهذا التحول لا تكمن فقط في حجم المنجزات، بل في الفلسفة التي تؤطرها، والقائمة على المقاربة التشاركية، والانفتاح على مختلف الفاعلين، وترسيخ ثقافة المسؤولية المشتركة.
وفي هذا الإطار، تبرز جهة الشرق كحالة تستدعي قراءة تحليلية خاصة؛ فهي جهة عانت تاريخيًا من مجموعة من الإكراهات البنيوية، المرتبطة بموقعها الجغرافي، وتحولات محيطها الاقتصادي، وضعف بعض الديناميات الإنتاجية، ومع ذلك، فقد عرفت خلال العقدين الأخيرين تحولات مهمة، تجسدت في إطلاق مشاريع مهيكلة، غير أن هذه الدينامية، ورغم أهميتها، لم تُترجم بالشكل الكافي إلى إقلاع اقتصادي واجتماعي شامل.
فما تزال الجهة تواجه تحديات حقيقية، من قبيل ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب، واستمرار الفوارق المجالية، وضعف النسيج المقاولاتي في بعض المناطق؛ وغياب الاستثمارات التي تنعكس بشكل كامل على الواقع المعيشي للمواطن.
فالمشاريع وحدها لا تصنع التنمية، بل تحتاج إلى تعبئة جماعية منسجمة ومستمرة تحولها من أوراش قائمة إلى دينامية تنموية حقيقية على أرض الواقع، فالتنمية كما أبانت التجارب المقارنة، لا تتحقق فقط عبر القرارات المركزية أو الاستثمارات العمومية، بل تحتاج إلى انخراط فعلي لكل الفاعلين، في إطار رؤية مشتركة وتكامل وظيفي واضح.
فالإشكالية الحقيقية المطروح اليوم بجهة الشرق لا ترتبط بندرة البرامج أو ضعف التصورات، بل بكيفية تفعيلها ميدانياً وتحويلها إلى مشاريع ملموسة ذات أثر تنموي فعلي، وهو بالأساس تحدٍ مجتمعي وثقافي، يرتبط بمدى القدرة على ترسيخ قيم المشاركة، وتعزيز الثقة، والانتقال من منطق الانتظار إلى منطق المبادرة؛ فحين يغيب التنسيق بين الفاعلين، وتضعف الالتقائية بين السياسات العمومية، تتراجع قدرة المشاريع على إحداث الأثر المنشود، مهما بلغت قيمتها التنموية.
وفي هذا السياق، تظل الجماعات الترابية الفاعل الحاسم في تنزيل السياسات العمومية على المستوى المحلي، غير أن الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين طموح البرامج ونتائجها الميدانية، بسبب محدودية القدرات التدبيرية، وضعف التأطير والتكوين لدى عدد من المنتخبين، فضلًا عن اختلالات الحكامة التي تعيق حسن استثمار الإمكانيات المتاحة، وهو ما يفرض اليوم الانتقال من منطق تدبير يومي تقليدي إلى منطق قيادة ترابية قائمة على الكفاءة والتأهيل والمساءلة، عبر إرساء منظومة تكوين مستمر حقيقية، وتعزيز آليات الحكامة والشفافية، بما يجعل الجماعات الترابية رافعة فعلية للتنمية بدل أن تظل مجرد حلقة تنفيذية محدودة الأثر.
كما أن القطاع الخاص لم يعد بإمكانه الاكتفاء بدور المتفرج، بل أصبح مطالبًا بالانخراط الفعلي في مسار التنمية، عبر الاستثمار المنتج الحقيقي بدل المبادرات الظرفية، والمساهمة في خلق فرص الشغل المستدامة، والانخراط المسؤول في الدينامية الاقتصادية للجهة، بما يواكب انتظارات الساكنة ويترجم الإمكانات المتاحة إلى قيمة مضافة ملموسة.أما المجتمع المدني، فيظل فاعلًا محوريًا في تأطير المواطنين، وترسيخ ثقافة المواطنة، والمساهمة في رصد الاختلالات واقتراح البدائل والحلول الكفيلة بتجويد السياسات العمومية، كما لا يمكن إغفال دور الشباب، باعتباره الرأسمال الحقيقي لأي تحول مستقبلي، شريطة تمكينه الفعلي من الفرص، وفتح المجال أمام طاقاته للإبداع والمبادرة والمشاركة في صناعة القرار.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية ومستدامة بجهة الشرق دون معالجة جذرية لإشكالية العدالة المجالية، باعتبارها مدخلًا أساسيًا لتحقيق التوازن بين مختلف المجالات الترابية، فالتنمية المنشودة تظل منقوصة ما دامت الاستثمارات تتركز في مجالات محدودة، بينما تستمر مناطق أخرى في مواجهة الهشاشة ونقص البنيات والخدمات الأساسية.
لذلك، يقتضي الأمر إعادة توجيه الاستثمارات العمومية والخاصة نحو المناطق الأقل استفادة، والعمل على تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، بما يضمن توزيعًا أكثر إنصافًا للثروات وفرص التنمية.
غير أن بلوغ هذا الهدف يظل رهينًا بتوفر إرادة جماعية حقيقية، قادرة على تجاوز الحسابات الضيقة ومنطق التدبير الظرفي، واعتماد رؤية مندمجة تضع المصلحة العامة والإنصاف المجالي في صلب كل السياسات والاختيارات التنموية.
إن استحضار ذكرى الخطاب الملكي بعد مرور ثلاث وعشرين سنة، لا ينبغي أن يظل مجرد محطة احتفالية عابرة، بل يتعين أن يشكل لحظة سياسية وتقييمية بامتياز، لإعادة طرح الأسئلة الجوهرية حول حصيلة المسار التنموي، والوقوف بجرأة على مكامن الخلل، والعمل على تصحيح الاختلالات القائمة.
كما تمثل هذه المناسبة فرصة لتجديد الالتزام الجماعي، والانخراط في مرحلة جديدة عنوانها الفعالية في الإنجاز، والنجاعة في التدبير، والتكامل بين مختلف الفاعلين خدمةً للتنمية المنشودة.
فالمغرب اليوم، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة، لم يعد في حاجة إلى تشخيص جديد بقدر ما يحتاج إلى إرادة جماعية حقيقية تُحوِّل التوجهات الكبرى إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، فالتحدي لم يعد في صياغة الاستراتيجيات أو إطلاق البرامج، بل في القدرة على التنزيل الفعلي، وعلى جعل الجهات فاعلًا محوريًا في إنتاج التنمية لا مجرد متلقٍ لقرارات مركزية.
وجهة الشرق، بما راكمته من مشاريع مهيكلة وما تتوفر عليه من موقع استراتيجي ومؤهلات واعدة، تملك كل المقومات لتكون قطبًا تنمويًا صاعدًا.
غير أن تحقيق هذا الطموح يظل رهينًا بتجاوز منطق التدبير المجزأ، وضعف التنسيق، وتردد بعض الفاعلين في تحمل مسؤولياتهم كاملة. فالتنمية لا تصنعها المشاريع وحدها، بل تصنعها الجرأة في القرار، والالتقائية في العمل، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من منطق الإعلان إلى منطق الإنجاز المؤثر، ومن تدبير الزمن السياسي القصير إلى بناء نفس تنموي طويل المدى، وهي دعوة صريحة إلى جميع الفاعلين من مؤسسات ومنتخبين وقطاع خاص ومجتمع مدني ومواطنين للقطع مع منطق الانتظار، والانخراط الواعي والمسؤول في صياغة مستقبل جهة الشرق، لأن التنمية ليست قدرًا مؤجلًا، بل اختيار جماعي يُصنع بالفعل والإرادة.



