في عتمة المسافات بين الألم والأمل

بقلم : ديمة الشريف – السعودية
وفي تلك اللحظات التي يشعر فيها الإنسان أن جسده أصبح مسرحاً لصراع كونيّ غير متكافئ، تولد حكايات الصمود.
إن “الخبيث” حين ينهش في الجسد، لا يستهدف الخلايا فحسب، بل يحاول النيل من الروح، تلك القلعة الحصينة التي لا يسقطها إلا اليأس.
ضريبة العين والجسد المستباح
نعيش في زمنٍ غارت فيه البركة من الأعين، فصارت نظرات البشر كالسهام المسمومة التي تخترق الستور وتستقر في العروق. “العين حق”، كما قيل قديماً، وهي نتاج نفسٍ لم تذكر الله، فاستحالت نظرتها ثقلاً يمرض الجسد العليل أصلاً. لقد تحولت أجسادنا إلى مرايا تعكس حسد الحاسدين وغفلة اللاهين، حتى بات المرض لا يطرق الأبواب استئذاناً، بل يقتحمها غدراً، مخلفاً وراءه أنيناً لا يسمعه إلا الليل.
الكيماوي.. معركة الضوء ضد الظلام
ومع بدء مرحلة العلاج، يقف المرء أمام “الجرعات” بقلبٍ مرتجف؛ تلك السوائل التي تدخل العروق لتكون حرباً على المرض. هي “الكيماوي”، ذلك الدواء المر الذي يمتزج بالدم ليطارد الخلايا المتمردة في مخابئها. رغم تعبه، ورغم الوهن الذي يسببه، إلا أنه ليس إلا “مخاضاً” لولادة صحة جديدة.
إنه الثمن الذي ندفعه لنستعيد أنفسنا، والضريبة التي نؤديها لنطرد الغريب الذي استوطن الدار بغير حق.
الصدقة.. الترياق الخفي
وهنا، يبرز سلاحٌ لا تراه الأعين ولا ترصده الأجهزة الطبية؛ إنه “الصدقة”. الصدقة ليست مجرد درهمٍ يوضع في كف محتاج، بل هي طاقة روحية جبارة، هي “المقايضة” مع القدر بفضل من الله.
حين نتصدق بنية الشفاء، فنحن نستدعي رحمة السماء لتمسح أوجاع الأرض. إنها “المظلة” التي تقينا سهام الأعين الحاقدة، وهي “البرد والسكينة” التي تطفئ حرارة الكيماوي في الأوردة.
رسالة إلى الروح الصابرة
يا من تواجه هذا الاختبار، اعلم أن جسدك اليوم هو أرض معركة، لكن روحك هي القائد. لا تسمح للأوجاع أن تطفئ بريق الرضا في عينيك. إن الانكسار بين يدي الله قوة، والبكاء في سجادة الصلاة هو غسيل للروح والجسد معاً. إن مرحلة العلاج الجديدة ليست إلا فصلاً سيُطوى، لتبدأ بعده فصول العافية، فالله الذي خلق الداء جعل في رحمته الدواء، واليقين هو نصف الشفاء.
اصبر صبراً جميلاً، واجعل من “بسم الله” درعاً لك، ومن “الصدقة” رفيقاً، ومن “الصبر” زاداً، فالفجر لا ينبلج إلا بعد أن تبلغ العتمة ذروتها.



