الحرب على ايران..هل هي نهاية نظام “دولة الفقيه”؟

تعيش منطقة الشرق الأوسط على صفيح ساخن، والعالم يترقب بقلق كبير ما يمكن أن تؤول إليه المواجهة الأمريكية الإسرائيلية المشتعلة ضد إيران، التي لم تعد مجرد حرب بالوكالة أو صراع استخباراتي في الظل، بل باتت أقرب إلى نهاية قد تغير ملامح خريطة الشرق الأوسط من جديد، بعد أزيد من أسبوعين من بدء الحرب التي استخدمت فيها كل أنواع السلاح الفتاك، فتحت خلالها ايران جبهات الصراع مع دول الجوار بعد استهدافهم المتواصل بالصواريخ والطائرات المسيرة. وهو ما أغضب الجميع ورغبة أكيدة في إنهاء وجود نظام الفقيه الذي عمر لأزيد من 47 عاما، بعد الانقلاب على الشاه ايران سنة 1979.
في خضم هذا التصعيد الخطير الذي أودى بحياة كبار صناع القرار الإيراني بدءا برئيسهم علي الخمنائي، الذين استهدفتهم صواريخ إسرائيل لتقتلهم في مقرات عملهم جميعا، في ظل هذا الصراع يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع، في مشهد أكثر قوة وعنفا وتصادما مع السلطات المحلية، ما أدى إلى الاستيلاء على بعض المدن بشكل قطعي. وانتقل الاحتجاج إلى العاصمة طهران التي أسقط ليلة أمس الشعب فيها تماثيل الخميني وكل صور زعماء دولة “فقيه الشيعة”.
هذه المظاهرات التي كانت تُقمع في المهد، استمدت قوتها الآن من سند الأمريكان وإسرائيل التي دعمتهم بقضائها على النظام الملالي خلال هذه الحرب، أصبحت اليوم أكثر جرأة واتساعاً، تعبّر عن غضب شعبي متراكم ضد نظام الملالي الذي حكم البلاد باسم الدين، لكنه فشل في تحقيق العدالة والكرامة والازدهار للشعب الإيراني.
منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، بنى النظام الإيراني شرعيته على الخطاب الديني والمذهبي، مقدماً نفسه كحارس للمذهب الشيعي ورافع لواء “المستضعفين”. لكن بعد أكثر من أربعة عقود، يبدو أن هذا الخطاب فقد بريقه، بعدما تحوّل إلى أداة للهيمنة السياسية والقمع الداخلي.
اليوم، ومع تصاعد الغضب الشعبي، لم يعد الإيرانيون يثورون ضد الفقر فقط، بل ضد الوصاية الدينية التي كبّلت حرياتهم، وضد نظام جعل من المذهب وسيلة لتبرير سلطته.
التحالف الأمريكي الإسرائيلي يرى في إيران الخطر الأكبر على استقرار المنطقة، ليس فقط بسبب برنامجها النووي، بل بسبب شبكة نفوذها الإقليمي الممتدة من العراق إلى لبنان واليمن. ومع تصاعد التوترات، يبدو أن واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى ضرب رأس النظام، لا مجرد تحجيمه.
لكن ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً هو أن الداخل الإيراني نفسه يغلي. فالحرب الخارجية قد تكون الشرارة التي تُسقط النظام من الداخل، حين يجد الشعب نفسه بين نارين: نظام فقد شرعيته، وعدوان خارجي يستغل ضعفه.
الحديث عن “نهاية المذهب الشيعي” في حال سقوط النظام الإيراني هو مبالغة سياسية أكثر منه واقعية دينية. فالمذهب، كعقيدة روحية وتاريخية، أعمق من أن يُلغى بسقوط سلطة سياسية. لكن المؤكد أن النسخة السياسية من التشيع، التي تبناها نظام الملالي، قد وصلت إلى نهايتها.
لقد شوّه النظام الإيراني صورة المذهب حين ربطه بالقمع والتوسع والهيمنة، وحين جعل من رجال الدين طبقة حاكمة فوق الشعب. وإذا سقط هذا النظام، فربما تكون تلك نهاية “التشيع السياسي” لا التشيع كمذهب.
الإيرانيون اليوم يعيشون لحظة تاريخية فاصلة. فبينما تتصاعد أصوات الحرب، تتعالى أيضاً هتافات الحرية في شوارع طهران وأصفهان وشيراز. لم يعد الخوف كما كان، ولم تعد الشعارات الدينية قادرة على إسكات الجوع والبطالة والفساد. فالجيل الجديد من الإيرانيين لا يريد حرباً ولا وصاية دينية، بل يريد دولة طبيعية، يعيش فيها المواطن بكرامة، لا كجندي في مشروع أيديولوجي عابر للحدود.
قد تكون الحرب القادمة القشة التي تقصم ظهر النظام الإيراني، لكنها لن تكون نهاية المذهب الشيعي، بل ربما بداية تحرره من قبضة السياسة. فالمذاهب لا تموت، لكن الأنظمة التي تستغلها تموت حتماً.
وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئاً، فهو أن الشعوب حين تثور لا تعود إلى الوراء. وإيران اليوم تقف على أعتاب مرحلة جديدة، قد تكون مؤلمة، لكنها حتماً ستفتح الباب أمام شرق أوسط مختلف، لا تحكمه العمائم ولا تُرعبه الصواريخ، بل تصنعه إرادة الشعوب.



