الفوضى كسلاح أخير: كيف تحاول ايران ايقاف الحرب بإرباك الاقليم؟

أ.د.على أحمد جاد بدر
في الحروب الكبرى لا تقتصر أدوات الصراع على القوة العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى استخدام الوسائل غير التقليدية التى تهدف إلى إرباك الخصوم وتغيير قواعد اللعبة، وفي هذا السياق يبدو أن ايران، مع تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية عليها، تتجه إلى توظيف ما يمكن تسميته بـاستراتيجية الفوضى ، كوسيلة لوقف الحرب ، أو على الأقل فرض معادلة ردع جديدة على خصومها، فعندما تجد دولة ما نفسها أمام ميزان القوى الذى يميل ضدها في المواجهة المباشرة، فإنها غالبًا ما تلجأ إلى توسيع نطاق الصراع جغرافيًا ، أو سياسيًا ، بحيث تتحول الحرب من المواجهة المحدودة إلى حالة من الاضطراب الاقليمي الذى يصعب السيطرة عليها، وهذه الاستراتيجية تقوم على فكرة بسيطة ، لكنها مؤثرة إذا أصبحت تكلفة استمرار الحرب مرتفعة على الجميع، فقد يضطر الخصوم إلى إعادة حساباتهم والبحث عن مخرج سياسي.

وفي الحالة الايرانية يمكن ملاحظة عدة مظاهر لهذه الاستراتيجية، أولها توسيع دائرة التوتر في الاقليم عبر ساحات متعددة، سواء في الخليج العربي، أو في الممرات البحرية الحيوية، أو عبر القوى الحليفة في المناطق المختلفة من الشرق الأوسط، والهدف هنا ليس بالضرورة تحقيق انتصار عسكري مباشر، بل خلق حالة من عدم الاستقرار ، تجعل استمرار الحرب خيارًا مكلفًا لجميع الأطراف.
والمظهر الثاني يتمثل في استهداف ما يمكن وصفه بـنقاط الحساسية الاستراتيجية في المنطقة، مثل طرق الطاقة والتجارة الدولية، فالاقتصاد العالمي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على استقرار إمدادات النفط والغاز وحركة الملاحة البحرية، يصبح أكثر عرضة للاضطراب ، كلما توسعت رقعة التوتر، ومن هنا تدرك ايران أن أي تهديد حقيقي لهذه المصالح قد يدفع القوى الدولية الكبرى إلى التدخل سياسيًا لوقف التصعيد.
وأما المظهر الثالث فيتعلق بالحرب النفسية والاعلامية ، حيث تسعى طهران إلى إيصال رسالة واضحة مفادها أن استمرار الحرب لن يظل محصورًا في نطاقها الجغرافي الحالي، بل قد يمتد ليشمل مناطق أوسع من الشرق الأوسط، وهذه الرسالة تهدف بالأساس إلى خلق حالة من القلق لدى الأطراف الاقليمية والدولية، بما يدفعها إلى الضغط من أجل التهدئة.
ولكن هذه الاستراتيجية ليست بلا مخاطر، فالفوضى بطبيعتها سلاح يصعب التحكم في نتائجه، وقد يؤدي توسيع دائرة التوتر إلى ردود فعل غير متوقعة، وربما إلى تصعيد أكبر من قدرة أي طرف على احتوائه، كما أن الاعتماد على الفوضى كوسيلة للضغط قد يدفع خصوم ايران إلى تبني الاستراتيجيات الأكثر حسمًا لاضعاف قدرتها على التأثير في مسارات الصراع.
ومن زاوية أخرى فإن دول الاقليم، وخاصة تلك التي تقع في دائرة التوتر المباشر، أصبحت أكثر وعيًا بمخاطر هذه الاستراتيجية، ولذلك تسعى العديد من هذه الدول إلى تعزيز منظوماتها الدفاعية والأمنية، إضافة إلى تنويع تحالفاتها الدولية، بما يقلل من قدرة أي طرف على استخدام الفوضى كورقة ضغط فعالة.
وفي النهاية تكشف هذه التطورات عن الحقيقة الأساسية في طبيعة الصراعات المعاصرة، وهي أن الحروب لم تعد مجرد مواجهات عسكرية تقليدية، بل أصبحت ساحات معقدة تتداخل فيها أدوات القوة الصلبة والناعمة معًا، وفي مثل هذه البيئة قد تتحول الفوضى نفسها إلى أداة من أدوات السياسة، تستخدمها الدول عندما تضيق خياراتها الأخرى.
والتاريخ يعلمنا أيضًا أن الفوضى، حتى عندما تُستخدم كوسيلة تكتيكية، غالبًا ما تترك آثارًا طويلة الأمد على استقرار الدول والمجتمعات، ولذلك يبقى السؤال الأهم:
هل تستطيع ايران توظيف الفوضى لوقف الحرب، أم أن هذه الاستراتيجية قد تفتح أبوابًا لأزمات أوسع في المنطقة؟
الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف إلى حد كبير على قدرة الأطراف المختلفة على موازنة حسابات القوة مع ضرورات الاستقرار، وهي معادلة شديدة التعقيد ، في منطقة تعد واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية واضطرابًا.



