Hot eventsأخبارأخبار سريعةمجتمع

الكاش” يؤجل التحول الرقمي بالمغرب

مع حلول عيد الفطر، تعود السيولة النقدية لتتصدر المشهد الاقتصادي بالمغرب، في ظاهرة لم تعد مجرد عادة ظرفية، بل تحوّلت إلى مؤشر واضح على طبيعة العلاقة التي تربط المواطن بالمنظومة المالية. فالإقبال الكبير على سحب الأموال خلال هذه الفترة يكشف عن تفضيل متجذر للتعامل المباشر بالنقد، رغم تعدد البدائل الرقمية المتاحة.

هذا السلوك لا يرتبط فقط بارتفاع وتيرة الاستهلاك خلال العيد، بل يعكس أيضاً نوعاً من الحذر الجماعي تجاه الخدمات البنكية، خاصة في فترات العطل التي تشهد تباطؤاً في بعض العمليات. إذ يفضل الكثيرون الاحتفاظ بمبالغ مالية كافية لتفادي أي طارئ، وهو ما يؤدي إلى ضغط متكرر على الشبابيك الأوتوماتيكية ويخلق اختلالات مؤقتة في التزود بالنقد.

غير أن ما يبدو سلوكاً موسمياً يخفي وراءه إشكالات أعمق. فضعف انتشار وسائل الأداء الإلكتروني، خصوصاً لدى فئة التجار الصغار، يحدّ من إمكانية تعميم المعاملات الرقمية. كما أن جزءاً مهماً من النشاط الاقتصادي لا يزال يتحرك خارج القنوات الرسمية، ما يعزز من هيمنة “الكاش” ويجعل تقليصه مهمة معقدة.

إلى جانب ذلك، تظل مسألة الثقة عاملاً حاسماً في هذا السياق. فعدد من المواطنين، حتى ممن يمتلكون حسابات بنكية، يبدون تحفظاً تجاه استخدام التطبيقات أو البطاقات، بسبب مخاوف مرتبطة بالأمن الرقمي أو نقص الإلمام بكيفية استخدامها. وهو ما يطرح تحدياً حقيقياً أمام أي محاولة لتسريع الانتقال نحو اقتصاد أقل اعتماداً على النقد.

اقتصادياً، لهذا الوضع كلفة واضحة. فالتداول النقدي المكثف يحدّ من شفافية المعاملات، ويقلص من فعالية التحصيل الضريبي، كما يضعف قدرة البنوك على تعبئة الموارد اللازمة لتمويل الاستثمار. أضف إلى ذلك الأعباء المرتبطة بإنتاج وتدبير العملة الورقية، والتي تظل مرتفعة مقارنة بالحلول الرقمية.

في المقابل، تبرز مؤشرات على توجه تدريجي نحو تغيير هذا الواقع، من خلال تشجيع الأداء عبر الهاتف المحمول وتوسيع قاعدة الولوج إلى الخدمات البنكية. غير أن نجاح هذه الجهود يظل رهيناً بتغيير السلوكيات، وهو مسار يتطلب وقتاً واستثماراً في التوعية والتأطير، إلى جانب تحسين جودة الخدمات الرقمية وضمان موثوقيتها.

في النهاية، لا يعكس انتعاش “الكاش” خلال الأعياد مجرد خصوصية اجتماعية، بل يختزل مساراً اقتصادياً لم يكتمل بعد، حيث يظل التوازن بين النقد والرقمنة رهيناً بقدرة الفاعلين على كسب رهان الثقة وتوسيع دائرة الإدماج المالي.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button