مشروع إصلاح مجلس الصحافة.. نحو تمثيلية أكثر توازنا أم إعادة ترتيب للمشهد؟

في خطوة تشريعية جديدة تعكس دينامية إصلاح قطاع الإعلام، كشف وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، عن تفاصيل مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، واضعا بذلك لبنة جديدة في مسار تأطير المهنة وتعزيز حكامتها.
المشروع، الذي جاء استجابة لقرار المحكمة الدستورية، يقترح تقليص عدد أعضاء المجلس من 19 إلى 17 عضوا، في خطوة تهدف إلى ترشيد البنية التنظيمية، مع الحفاظ على توازن التمثيلية بين مختلف الفاعلين. غير أن جوهر الإصلاح لا يكمن فقط في العدد، بل في طبيعة التمثيل وآلياته.
أبرز مستجد في النص يتمثل في اعتماد مبدأ التناسب عبر “القاسم الانتخابي” لتوزيع مقاعد ممثلي الناشرين، وهو اختيار تقني يحمل في طياته رهانات سياسية ومهنية، إذ يسعى إلى ضمان عدالة أكبر في التمثيل، مع إقصاء الهيئات التي لا تتجاوز عتبة 10 في المائة من الحصص التمثيلية. هذا التوجه قد يحد من التشتت، لكنه يثير في المقابل تساؤلات حول مصير التنظيمات الصغرى ومدى قدرتها على الاستمرار داخل المشهد.
وفي سياق تعزيز مقاربة النوع، نص المشروع على تخصيص مقعد واحد على الأقل للنساء داخل كل منظمة مهنية تحظى بأكثر من مقعد، إضافة إلى ضمان حضور ثلاث صحافيات مهنيات على الأقل ضمن فئة الصحافيين. وهي خطوة تعكس توجها نحو إنصاف أكبر للمرأة داخل قطاع ظل لسنوات يعاني من اختلالات في هذا الجانب.
كما همّت التعديلات الجانب التأديبي، من خلال إعادة هيكلة لجنة الاستئناف وفصلها عن لجنة أخلاقيات المهنة، بما يعزز استقلالية القرارات ويحد من تضارب المصالح. إلى جانب ذلك، تم إحداث لجنة انتقالية للإشراف على الانتخابات المقبلة، تضم قاضيا وممثلين عن مؤسسات دستورية، من بينها المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في محاولة لإضفاء مزيد من الشفافية والمصداقية على العملية.
ورغم الطابع التقني لهذه التعديلات، فإنها تفتح نقاشا أوسع حول مستقبل التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة بالمغرب، ومدى قدرة هذه الصيغة الجديدة على تحقيق التوازن بين التمثيلية المهنية والنجاعة المؤسساتية. فبين من يرى فيها خطوة نحو عقلنة المشهد، ومن يعتبرها إعادة توزيع للأدوار داخل نفس الدائرة، يبقى الرهان الأكبر هو استعادة ثقة الجسم الصحفي وتعزيز استقلالية المجلس.
في المحصلة، لا يبدو أن مشروع القانون مجرد تعديل شكلي، بل هو محاولة لإعادة رسم معالم الحقل الإعلامي، في سياق وطني يتطلع إلى صحافة أكثر مهنية ومسؤولية، قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة دون التفريط في قواعدها الأخلاقية.



