
في تطور قضائي لافت يعيد تشكيل الجدل القانوني حول مشروعية فرض رسوم التسجيل على فئة الطلبة الموظفين، أصدرت محكمة الاستئناف الإدارية بفاس بتاريخ 31 مارس 2026 قراراً يقضي بإلغاء الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية الابتدائية بوجدة، والتي كانت قد انتهت إلى إلغاء قرار فرض هذه الرسوم، لتتصدى محكمة الاستئناف للموضوع وتحكم برفض الطعون المقدمة من طرف الطلبة، معتبرة أن القرار الإداري محل النزاع يكتسي طابع المشروعية.
ويكتسي هذا القرار أهمية خاصة، ليس فقط لكونه يقلب موازين النزاع القضائي القائم، بل أيضاً لما تضمنه من إشادة صريحة بوجاهة ومتانة الدفوع القانونية التي تقدم بها دفاع جامعة محمد الأول بوجدة، ممثلاً في الأستاذ الدكتور نبيل تقني، حيث اعتبرت المحكمة أن الحجج المقدمة استجابت لمقتضيات التأصيل القانوني السليم، سواء من حيث تفسير النصوص المنظمة أو من حيث تكييف الوضعية القانونية للطلبة الموظفين في علاقتها بمبدأ مجانية التعليم وحدوده.
وقد استندت محكمة الاستئناف الإدارية في قرارها إلى مقاربة قانونية دقيقة، ميزت من خلالها بين مبدأ المجانية كقاعدة دستورية عامة، وبين الإمكانيات التي تتيحها النصوص التنظيمية لفرض رسوم في حالات خاصة، لاسيما عندما يتعلق الأمر بفئات تستفيد من وضعيات مهنية تخرجها عن الإطار التقليدي للطالب المتفرغ. وهو ما اعتبرته المحكمة مبرراً كافياً لإضفاء المشروعية على قرار الإدارة الجامعية.
غير أن هذا الحسم القضائي على مستوى محكمة الاستئناف، رغم أهميته، لا يبدو أنه سيضع نهاية نهائية لهذا النزاع، في ظل المعطيات القانونية القائمة. فمن المرتقب أن يلجأ الطلبة المعنيون إلى سلوك مساطر الطعن المتاحة، سواء من خلال تقديم تعرضات على القرارات الغيابية الصادرة في إطار طلبات إيقاف التنفيذ، أو عبر الطعن بالنقض أمام محكمة النقض ضد القرار الصادر في الموضوع.
كما يظل خيار تقديم طلبات جديدة لإيقاف تنفيذ القرار الاستئنافي أمام محكمة النقض وارداً، في انتظار البت النهائي في النزاع، خاصة وأن هذه المحكمة سبق لها، في قرارات حديثة، أن اتخذت موقفاً مبدئياً يميل إلى عدم مشروعية فرض رسوم التسجيل في حالات مماثلة، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال إعادة تقييم هذا التوجه على ضوء خصوصية كل نازلة.
وبين اتجاه محكمة الاستئناف الإدارية بفاس الذي كرس مشروعية الرسوم، والاجتهادات السابقة لمحكمة النقض التي ذهبت في منحى مغاير، يظل المشهد القضائي مفتوحاً على جميع الاحتمالات، في انتظار كلمة الحسم النهائي من أعلى هيئة قضائية إدارية بالمملكة.
المستقبل القريب كفيل بالإجابة عن هذه الإشكالات، وتحديد ما إذا كان هذا القرار سيشكل منعطفاً حاسماً في تكريس مشروعية الرسوم، أم مجرد محطة ضمن مسار قضائي لم يستنفد بعد جميع درجات التقاضي.



