
✍️ زهير أصدور-محام بهيئة الرباط
ليس أكثر قسوة على المتقاضي من أن ينتظر سنوات من التقاضي، بين جلسات وتأجيلات ومذكرات، لينتهي به المطاف إلى حكم قضائي مشوب بخطأ مادي بسيط في شكله… عميق في أثره. رقم ملف غير صحيح، اسم شخصي أو عائلي محرف، عنوان خاطئ، أو حتى خلل في منطوق الحكم. أخطاء تبدو “تقنية”، لكنها كفيلة بتعطيل التنفيذ، وفتح باب معاناة جديدة لا تقل ثقلا عن المسار الأصلي للدعوى.
المفارقة المؤلمة أن تصحيح هذه الأخطاء لا يتم تلقائيا، بل يلقى عبؤه كاملا على عاتق المتقاضي. عليه أن يباشر مسطرة جديدة لإصلاح خطأ مادي، يؤدي رسوما قضائية إضافية، ويتحمل مصاريف التبليغ من جديد عبر المفوض القضائي، ثم ينتظر حكما آخر قد يستغرق شهورا… فقط لتصحيح ما كان ينبغي تداركه في لحظته. وبعد صدور حكم الإصلاح، تبدأ جولة تبليغ جديدة، وكأننا أمام دعوى مستقلة، لا مجرد تصحيح لزلة شكلية.
هذا الواقع يطرح إشكالا عميقا يتجاوز مجرد الأخطاء البشرية، ليصل إلى بنية المسطرة ذاتها. فالقانون، وإن كان يتيح آلية إصلاح الخطأ المادي، إلا أنه لم يواكبها بإجراءات مبسطة وسريعة، ترفع الحرج عن المتقاضي وتخفف العبء عن القضاء. النتيجة: هدر للزمن القضائي، تضخم في الإجراءات، وتكاليف إضافية تثقل كاهل أطراف أنهكهم التقاضي أصلا.
لا أحد يجادل في أن الخطأ وارد، فالقضاء عمل بشري قبل كل شيء. لكن الإشكال ليس في وقوع الخطأ، بل في كيفية تدبيره. هل يعقل أن يتحمل المتقاضي تبعات خطأ لم يسهم فيه؟ وهل من المنطقي أن تتحول مسطرة إصلاح بسيطة إلى مسار إجرائي كامل، برسوم وتبليغات وانتظار، فقط لتصحيح رقم أو اسم؟
العدالة الناجعة لا تقاس فقط بجودة الأحكام، بل أيضا بمرونة تصحيحها عند الاقتضاء. ومن هذا المنطلق، يبدو ضروريا التفكير في بدائل عملية، من قبيل إقرار آلية تلقائية داخل كتابة الضبط لتدارك الأخطاء المادية فور اكتشافها، دون حاجة إلى دعوى مستقلة، أو على الأقل اعتماد مسطرة مبسطة، معفاة من الرسوم، لا تتطلب سوى طلب كتابي، يبت فيه في أجل وجيز، ويرفق الحكم المصحح بالأصل ويُبلغ معه دفعة واحدة.
كما أن رقمنة المساطر وتدقيق المراجعة القبلية للأحكام يمكن أن يحد بشكل كبير من هذه الأخطاء، أو على الأقل يقلص آثارها. فالمشكل اليوم لم يعد في ندرة الحلول، بل في غياب إرادة تنظيمية وتشريعية تجعل مصلحة المتقاضي في صلب الإصلاح.
في النهاية، لا ينبغي أن يتحول إصلاح الخطأ إلى عقوبة إضافية للمتقاضي. فالعدالة التي تتأخر في تصحيح نفسها، تساهم – دون قصد – في تعميق الإحساس بالظلم. والرهان اليوم ليس فقط على إصدار الأحكام، بل على ضمان سلامتها وسرعة تصحيحها، بما ينسجم مع مبدأي الإنصاف والفعالية القضائية.



