الأحزاب السياسية في المغرب بين الشرعية القانونية والفراغ الواقعي.. عندما يتحول الدعم العمومي إلى ريع سياسي مقنّع

ذ.زهير أصدور – محامي بهيئة الرباط
ليس المشكل في عدد الأحزاب بقدر ما هو في طبيعة وجودها. فالتعددية الحزبية، من حيث المبدأ، مكسب ديمقراطي، لكنها في الحالة المغربية تحولت، في جزء معتبر منها، إلى تعددية شكلية تخفي فراغا سياسيا وتنظيميا عميقا. نحن أمام مفارقة صارخة: أحزاب قائمة قانونيا، لكنها غائبة فعليا؛ تستفيد من الشرعية النصية دون أن تنتج شرعية سياسية أو مجتمعية.
من الناحية القانونية، يضمن الدستور المغربي حرية تأسيس الأحزاب ويقر بدورها في تأطير المواطنات والمواطنين والمساهمة في التعبير عن الإرادة الشعبية. كما ينظم القانون التنظيمي للأحزاب السياسية شروط التأسيس، والتسيير، والتمويل، ويضع آليات للرقابة، خاصة المالية منها. لكن بين النص والتطبيق، تتسع الهوة. فالقانون، رغم دقته في الجانب المالي، يظل متساهلا – أو على الأقل غير حاسم – في ربط الاستفادة من الدعم العمومي بالمردودية السياسية والتنظيمية.
عمليا، نجد أنفسنا أمام ثلاث فئات من الأحزاب:
أولا، أحزاب فاعلة داخل المؤسسات، سواء في الأغلبية أو المعارضة، لها حضور برلماني وتنظيمي واضح.
ثانيا، أحزاب ذات تمثيلية ضعيفة، تحاول الحفاظ على وجودها وتنتظر فرصة للتموقع.
وثالثا – وهي الإشكال الحقيقي – أحزاب لا تمارس أي نشاط يذكر، لا حضور ترابي، لا تأطير، لا إنتاج سياسي، ومع ذلك تستفيد من الدعم العمومي بشكل منتظم.
الإشكال هنا ليس أخلاقيا فقط، بل قانوني وسياسي في آن واحد. فمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي يعتبر من مرتكزات الدستور المغربي، يظل معلقا عندما يتعلق الأمر بالحياة الحزبية. كيف يمكن الحديث عن محاسبة دون مؤشرات أداء؟ وكيف يمكن تقييم حزب لا يشتغل أصلا، ومع ذلك يظل في مأمن من أي جزاء فعلي؟
الواقع يكشف عن تحول بعض الأحزاب إلى “أشخاص معنوية شكلية” مرتبطة بأفراد، تدار بمنطق الملكية الخاصة، لا بمنطق المؤسسة. الجموع العامة تعقد في كثير من الأحيان كإجراء إداري لتفادي فقدان الدعم، وليس كلحظة ديمقراطية داخلية. وهنا، يتم تفريغ أهم آلية تنظيمية في الحزب من مضمونها، لتصبح مجرد شرط شكلي للاستمرار في الاستفادة من المال العام.
هذا الوضع يطرح إشكالية العدالة في توزيع الموارد العمومية. فالدعم الموجه للأحزاب، من حيث المبدأ، يهدف إلى تعزيز الديمقراطية، وتقوية الوساطة السياسية، وتمكين الأحزاب من أداء وظائفها الدستورية. لكن حين يمنح لأحزاب لا تؤدي أي وظيفة، فإنه يتحول إلى ريع سياسي، يكرس اللامساواة بين الفاعلين، ويضعف ثقة المواطنين في جدوى العمل الحزبي.
الأخطر من ذلك، أن استمرار هذا الوضع يخلق حوافز معاكسة: بدل أن يشجع على الاندماج الحزبي أو إعادة الهيكلة، يبقي على التشتت، لأن وجود الحزب – ولو كان ضعيفا – يضمن حدا أدنى من الموارد. وهكذا، تتحول الخريطة الحزبية إلى فسيفساء من الكيانات الهشة، التي لا يجمعها مشروع سياسي بقدر ما يجمعها منطق البقاء القانوني.
من زاوية قانونية، يبدو أن الإطار الحالي يركز على الرقابة البعدية، خاصة عبر تتبع أوجه صرف الدعم، دون أن يفعّل رقابة قبلية أو موازية على مدى استحقاق هذا الدعم. بمعنى آخر، يتم التدقيق في “كيف صُرف المال”، لكن لا يتم التساؤل بجدية عن “لماذا مُنح أصلا”. وهذا خلل جوهري في فلسفة التنظيم.
الإصلاح، في هذا السياق، لا يمكن أن يظل تقنيا أو جزئيا. المطلوب هو إعادة بناء العلاقة بين الدولة والأحزاب على أساس تعاقد واضح: الدعم مقابل الأداء. وهذا يمر عبر إدراج معايير موضوعية قابلة للقياس، مثل:
-مستوى التأطير الحزبي الفعلي (عدد الأنشطة، الانتشار الترابي، انتظام الهياكل).
-المساهمة في النقاش العمومي (إنتاج برامج، مذكرات، مبادرات تشريعية).
-احترام الديمقراطية الداخلية (انتظام المؤتمرات، شفافية انتخاب الأجهزة).
كما ينبغي ترتيب آثار قانونية صريحة على الإخلال بهذه الالتزامات، تصل إلى الحرمان الجزئي أو الكلي من الدعم، بل وحتى إعادة النظر في الوضع القانوني للحزب إذا ثبت غيابه التام عن ممارسة وظائفه.
دور الإدارة، وخاصة وزارة الداخلية، يظل محوريا في هذا الإطار، ليس فقط باعتبارها جهة وصاية إدارية، بل كفاعل مسؤول عن ضمان نزاهة وعدالة المشهد الحزبي. غير أن هذا الدور يجب أن يمارس في إطار قانوني واضح، يوازن بين حرية العمل الحزبي وضرورة حماية المال العام من الهدر.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بمحاصرة التعددية، بل بإنقاذها من التفريغ. لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية ليس قلة الأحزاب، بل كثرتها الفارغة. وعندما تتحول الأحزاب إلى مجرد واجهات قانونية بلا مضمون، فإن الديمقراطية نفسها تصبح مهددة بالتحول إلى شكل بلا روح.
إن اللحظة اليوم تفرض نقاشا صريحا: هل نريد نظاما حزبيا حيا، منتجا، ومؤثرا، أم منظومة شكلية تُدار بمنطق الحد الأدنى القانوني والحد الأقصى من الاستفادة؟ الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد، في العمق، مستقبل السياسة في المغرب.

