أخبارالرئيسيةثقافة و فن

الدكتوراه بين الاستحقاق الشكلي وأزمة المصداقية:قراءة نقدية في واقع الجامعة المغربية

بقلم: ذ. زهير أصدور-

تثير الوقائع المتفرقة، كما تثير الانطباعات المتراكمة لدى الفاعلين في الحقلين الأكاديمي والحقوقي، سؤالا مقلقا حول القيمة الحقيقية لشهادة الدكتوراه داخل الجامعة المغربية، ومدى استمرارها كرمز للتميز العلمي والإنتاج المعرفي، أو تحولها إلى مجرد آلية للترقية الإدارية وإعادة التموضع المهني. إن ما يبدو للوهلة الأولى حالات معزولة، يكشف عند التمحيص عن اختلالات بنيوية أعمق تمس منظومة التعليم العالي في جوهرها.

لقد ارتبطت الدكتوراه تاريخيا بفكرة الإسهام الأصيل في المعرفة، حيث يفترض في الحاصل عليها أن يكون قد راكم إنتاجًا علميا رصينا، ومارس البحث وفق قواعد منهجية صارمة، وخضع لتقييم دقيق من قبل لجان علمية مستقلة. غير أن هذا النموذج المثالي يصطدم، في بعض السياقات، بواقع مغاير تتداخل فيه اعتبارات إدارية وشبكات علاقات، بل وأحيانا ممارسات غير مشروعة، تجعل من الشهادة العليا مجرد “رأسمال رمزي”يُستثمر في الترقية بدل أن يُبنى على الجدارة العلمية.

من بين أبرز المؤشرات الدالة على هذا الانزياح، ما يلاحظ من لجوء بعض المنتسبين إلى الحقل الجامعي إلى البحث عن “شهادات مشاركة” أو “إثباتات تأطير” في أنشطة علمية لم يساهموا فيها فعليًا، فقط لاستيفاء شروط شكلية للترقي. إن هذه الممارسات، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، إلا أنها تعكس اختلالا عميقا في منظومة التقييم، حيث يتم التركيز على الكمّ الوثائقي بدل الكيف العلمي. فبدل أن تكون المشاركة العلمية فعلا معرفيا نابعا من دينامية البحث، تتحول إلى مجرد وثيقة تدرج في ملف إداري.

الأخطر من ذلك، هو ما يثار بين الفينة والأخرى حول وجود “سوق خفية” لإعداد الرسائل الجامعية والأطروحات مقابل مبالغ مالية، وهي ممارسات – إن ثبتت – تمس بجوهر النزاهة الأكاديمية، وتطرح تساؤلات جدية حول آليات المراقبة والتتبع داخل المؤسسات الجامعية. فكيف يمكن لنظام يفترض فيه إنتاج النخب العلمية أن يسمح – ولو استثنائيا – بتسرب مثل هذه السلوكيات؟ وكيف يمكن لشخص لم ينجز عمله البحثي بنفسه أن يتحول إلى أستاذ جامعي يفترض فيه تأطير أجيال من الطلبة؟

إن جزءا من الإشكال يرتبط بطبيعة معايير الترقي داخل الجامعة، التي لا تزال في كثير من الأحيان أسيرة منطق شكلي يركز على عدد المشاركات، وعدد الشهادات، وعدد الأنشطة، دون تمحيص كاف في جودتها أو أثرها العلمي. كما أن ضعف النشر العلمي في مجلات محكمة، وغياب قاعدة بيانات وطنية شفافة تبرز الإنتاج العلمي الحقيقي للأساتذة، يساهم في تعميق هذا الغموض، ويجعل من الصعب التمييز بين الباحث المنتج والباحث “الاسمي”.

ولا يمكن إغفال العامل الثقافي والمؤسساتي، حيث قد تتسامح بعض البيئات مع هذه الاختلالات بدافع المجاملة أو الخوف من الصدام، مما يؤدي إلى تطبيع تدريجي مع ممارسات تمس جوهر الأخلاقيات الأكاديمية. في المقابل، يظل العديد من الأساتذة والباحثين الجادين ضحايا لهذا الوضع، إذ يجدون أنفسهم في منافسة غير متكافئة مع من يستفيدون من شبكات غير رسمية أو من ثغرات في النظام.

إن إصلاح هذا الوضع يقتضي مقاربة شمولية تتجاوز المعالجات الظرفية، وترتكز على إعادة الاعتبار لمبدأ الاستحقاق العلمي. ويشمل ذلك تشديد آليات التحقق من أصالة الأطروحات عبر أدوات كشف الانتحال، وتعزيز دور المجلات العلمية المحكمة، وربط الترقي بالإنتاج العلمي المنشور دوليا، وليس فقط بالأنشطة الشكلية. كما يستدعي الأمر إرساء قواعد شفافة لتقييم الأداء الأكاديمي، وإحداث منصات رقمية مفتوحة تمكّن من تتبع المسار العلمي لكل باحث بشكل دقيق.

في المحصلة، لا يتعلق الأمر بالتشكيك في الجامعة المغربية ككل، ولا في كفاءة جميع حاملي الدكتوراه، بل بالعكس، إن الدفاع عن مصداقية هذه الشهادة يمر عبر مواجهة الاختلالات التي تهددها. فالدكتوراه ليست لقبا إداريا، بل مسؤولية علمية وأخلاقية، وأي تساهل في معاييرها هو مساس بمستقبل المعرفة وبثقة المجتمع في مؤسساته الأكاديمية.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button