حلم الهجرة وقساوة الغربة

بقلم الأستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي
ليس يسيرًا على الإنسان أن يخلع جذوره من تراب الوطن، وأن يترك وراءه طفولته وذكرياته، والبيت الذي آواه حتى اشتد عوده، ووجوه الأهل والأصدقاء التي كانت دفءَ أيامه وسكينة لياليه. يودّع كل ذلك وقلبه مثقلٌ بالرجاء والخوف، ثم يلقي بنفسه في حضن البحر، راكبًا زورقًا مطاطيًا واهيًا، تتقاذفه الأمواج في أحلك الليالي؛ سوادٌ فوقه وسوادٌ تحته، وهولٌ يحيط به من كل جانب: غدر البحر، وشبح الغرق، وقلق المجهول.
وما أشقّ على النفس حين تقع العين على أجسادٍ طافية فوق صفحة الماء، تتلاعب بها الأمواج في صمتٍ مهيب، وقد غادرتها الأرواح إلى برزخ الأكوان؛ كأن البحر نفسه ينوح عليهم، ويشهد على أحلامٍ انطفأت قبل أن تبلغ المرافئ.
ثم يبلغ الزورق اليابسة أخيرًا، فيقفز الناجون إلى البرّ كأن الريح تحمل أقدامهم، يركضون ومعهم من كتب الله لهم النجاة. وكلٌّ منهم يحمل في صدره حلمًا صغيرًا يكبر مع كل خطوة: عملٌ قار، وسقفٌ يقيه برد الغربة، وعيشٌ كريم يرمم ما تهدّم في القلب، ثم عودةٌ إلى الوطن يومًا ما، بعد أن يراكم شيئًا من المال ليبني به حياةً أفضل، ويسهم في عمران بلده الذي غادره مكرهًا لا زاهدًا فيه.
غير أن الحلم كثيرًا ما يصطدم بصلابة الواقع؛ واقعٍ مُرٍّ لا يرحم. فيجد نفسه شريدًا بين الطرقات، يبيت تحت القناطر، أو في زوايا محطات المترو الباردة، تطارده العيون والقلق، ويعلو صدره ويهبط من وطأة الخوف والترقب. فيتوه بين الأمكنة، غريبًا في أرضٍ لم تحتضنه كما ظن، فلا هو سعيدٌ حيث حلّ، ولا هو قادرٌ على عبور المخاطر للعودة.
وعندئذٍ، يتراءى له وطنه البعيد، بعد كل ما قاساه، كأنه جنة الله على الأرض؛ حضنٌ دافئ كان يجهل قيمته وهو بين جنباته. وكأن لسان حاله يردد مع الشاعر في حسرةٍ موجعة:
بلادي عزيزةٌ وإن جارت عليَّ
وأهلي كرامٌ وإن ضنّوا عليَّ.
غير أن بين أولئك من تحقق له بعض الحلم، فاستقرت به الخطى في بلاد الغربة، ونال نصيبًا من الرزق والعيش. غير أن بعضهم، ما إن تبدلت أحواله ولبس الجينز والأحذية الرياضية، حتى بدا كأنه نسي وجع الرحلة، وتناسى آلام من تركهم وراءه على الشاطئ الآخر. يعلو صوته بالسخط على وطنه، ويضيق صدره بإخوانه الذين ما زالوا فيه. فإذا عاد إلى بلده في أوقات متفرقة عاد كغريب الروح، لا يسأل عن صديقٍ قديم، ولا يطرق باب قريب، إلا من باب التفاخر بما صار إليه حاله، أو الانتقاص من بلده الذي كان يومًا مأواه الأول.
وكأن لسان حاله يردد، من حيث يشعر أو لا يشعر: نحن ومن بعدنا الطوفان.
غير أن الحقيقة تبقى أعمق من المظاهر؛ فالوطن ليس ثوبًا يُبدَّل، ولا ذكرى تُمحى، بل هو جذرٌ يسكن القلب مهما ابتعدت المسافات. ومن نسي جذوره، فقد نسي جزءًا من نفسه؛ لأن الإنسان قد يهاجر بجسده إلى أقاصي الأرض، لكن روحه تظل معلّقة هناك… حيث بدأ الحلم أول مرة.



