درس في الوفاء… من طائر مهاجر إلى سياسي متنقل

بينما كنت أتأمل مشهد بلارج يعتلي صومعة مسجد، استوقفتني رمزية هذا الطائر المهاجر الذي يقطع آلاف الكيلومترات عبر القارات، لكنه يعود في نهاية المطاف إلى عشه الأصلي، وكأن ذاكرته تحفظ العنوان مهما ابتعدت به المسافات.
البلارج يهاجر، لكنه لا يتنكر لعشه. يغيب، لكنه لا يقطع صلته بالمكان الذي احتضنه. يعود كل موسم ليجدد العهد مع الجذور.
و في المقابل، أصبح المشهد السياسي في كثير من الأحيان يعرف نوعا آخر من “الهجرة”، حيث ينتقل بعض المنتخبين والفاعلين من حزب إلى آخر كلما اقترب موعد الانتخابات أو تغيرت موازين القوة. انتقال لا تحكمه دائما القناعات الفكرية أو البرامج السياسية، بل قد تفرضه حسابات المصلحة والتموقع.
حيث يبرز السؤال: ماذا لو استلهم بعض السياسيين من البلارج قيمة الوفاء؟
هنا الاختلاف في الرأي حق مشروع، وتغيير الانتماء السياسي قد يكون أحيانا تعبيرا عن مراجعة فكرية حقيقية، لكن كثرة التنقلات الحزبية دون تفسير مقنع تضعف ثقة المواطن في العمل السياسي وتغذي الشعور بأن الأحزاب مجرد محطات عابرة لا مشاريع مجتمعية.
البلارج الذي اختار الصومعة مكانا لعشه يبعث برسالة صامتة مفادها أن الارتفاع لا يكون فقط في المكان، بل أيضا في المعنى. وأن العودة إلى الأصل ليست ضعفا، بل وفاء.
لعل السياسة اليوم في حاجة إلى شيء من حكمة الطيور؛ فالمواطن لا يبحث فقط عن من يصل إلى المنصب، بل عن من يبقى وفيا للمبادئ التي أوصلته إليه.
فالبلارج يهاجر… لكنه يعود إلى عشه.
أما بعض السياسيين، فيتنقلون بين الأعشاش بحثاً عن موسم انتخابي جديد.



