
بقلم/ د. فالح الشبلي
المقدمة:
في مسار الصراعات الدولية، لا تُقاس التحولات بالتصريحات، بل بالانتقالات الفعلية من موقع إلى آخر، وعندما تنتقل دولة من خطاب التصعيد إلى الجلوس مجددًا على طاولة المفاوضات، فإن ذلك لا يمكن قراءته على أنه خطوة
دبلوماسية عابرة، بل على أنه مؤشر عميق يدل على تغيّر في موازين القوة، أو على الأقل في إدراكها.
وهنا يمكن النظر إلى عودة إيران إلى مسار التفاوض باعتبارها لحظة مفصلية تستحق قراءة هادئة، تتجاوز السطح الإعلامي إلى ما تحته من حسابات معقدة.
التحليل: من التصعيد إلى إعادة التموضع خلال المدة التي سبقت العودة إلى التفاوض، اعتمدت طهران خطابًا مرتفع النبرة، حاولت من خلاله تثبيت معادلة ردع سياسية وعسكرية، قائمة على إظهار القدرة على الصمود وفرض الوقائع.
لكن التجربة التاريخية تُظهر أن التصعيد ـ مهما بلغ مداه ـ يبقى أداة مرحلية، تُستخدم لتحسين شروط التفاوض، وليست بديلًا عنه. فالدول، في نهاية المطاف، لا تستطيع البقاء في حالة مواجهة مفتوحة دون كلفة متراكمة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو الداخلي.
ومن هذا المنطلق فإن العودة إلى طاولة المفاوضات تعكس أحد احتمالين:
- إما إدراكًا بأن كلفة الاستمرار في التصعيد باتت أعلى من كلفة التفاوض
- أو قناعة بأن الظرف الراهن يوفر فرصة لإعادة صياغة الشروط من موقع مختلف وفي كلتا الحالتين، نحن أمام تحوّل في السلوك الاستراتيجي، وليس مجرد تغيير تكتيكي محدود.
البعد الأعمق: ما وراء القرار
التحول نحو التفاوض لا يأتي بمعزل عن جملة من العوامل: - الضغط الاقتصادي المتراكم وتأثيره في الداخل.
- تعقيدات البيئة الإقليمية وتعدد مسارح التوتر
- إشارات القوة المقابلة التي تعيد ضبط الحسابات
- الحاجة إلى التقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأولويات
هذه العوامل مجتمعة تدفع أي دولة ـ مهما كانت نبرتها ـ إلى إعادة تقييم موقعها ضمن معادلة الصراع.
القراءة الاستخبارية: ماذا تعني العودة الآن؟.
في القراءة الاستخبارية، لا تُفهم العودة إلى التفاوض بوصفها تراجعًا يسيرًا، بل كجزء من عملية إعادة تموضع محسوبة. فالدول لا تنتقل من التصعيد إلى التفاوض إلا عندما: - تدرك أن سقف التصعيد بلغ حدوده.
- أو عندما تريد تثبيت مكاسب تحققت على الأرض.
- أو لتجنب خسائر محتملة في مرحلة لاحقة.
وبذلك، فإن هذه العودة يجب أن تُقرأ ضمن سياق أوسع، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الاقتصادية والسياسية في آن واحد. - الخاتمة: حين يتكلم الواقع في النهاية، يبقى الثابت في إدارة الصراعات أن الواقع هو الذي يفرض الكلمة الأخيرة. فالتصعيد قد يرفع السقف، لكنه لا يُلغي الحاجة إلى التفاوض، بل يؤجلها ويعيد تشكيل شروطها.
وهنا يمكن القول: إن الانتقال من لغة القوة إلى طاولة الحوار ليس حدثًا عابرًا، بل لحظة كاشفة، تُظهر أين تقف الأطراف فعليًّا، بعيدًا عن الضجيج.
وهذا ـ في ميزان القراءة الاستراتيجية ـ ليس إلا من فضل الله، حين تتبدل المعادلات، وتعود الأمور إلى مسار أكثر عقلانية.



