حرب على الفساد..برلمانيون و رؤساء جماعات في السجن والباقي رهن المتابعة القضائية

شهدت الساحة السياسية المحلية في المغرب خلال السنوات الخمس الأخيرة (2021-2026) سلسلة من المتابعات القضائية التي طالت عدداً من المستشارين الجماعيين، على خلفية قضايا تتعلق بسوء التدبير المالي والإداري، واستغلال النفوذ، وتبديد المال العام. هذه القضايا، التي توزعت على مختلف جهات المملكة، تعكس حجم التحديات التي تواجه منظومة الحكامة المحلية، وتطرح تساؤلات حول فعالية آليات المراقبة والمساءلة داخل الجماعات الترابية.
وشنت الدولة حملة مكثفة ضد الفساد المالي والإداري، أسفرت عن متابعة، عزل، أو سجن عشرات المنتخبين الجماعيين، حيث تمت متابعة 302 حالة في قضايا فساد خلال سنة 2025 وحدها، وتم عزل 108 من رؤساء ومستشارين جماعيين في غضون سنتين (2022-2023)، في حين شهدت سنة 2024 إحالة 52 رئيس جماعة و57 نائباً و124 عضواً آخر على محاكم جرائم الأموال.
وقامت وزارة الداخلية بحملة عزل العديد من رؤساء جماعات ومستشارين، خاصة بجهات الدار البيضاء-سطات، مراكش-آسفي، والرباط-سلا-القنيطرة.
ووفقاً لمعطيات مستخلصة من تقارير صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، والمفتشية العامة للإدارة الترابية، وبيانات النيابة العامة، بلغ عدد المستشارين الجماعيين الذين صدرت في حقهم أحكام بالسجن خلال هذه الفترة ما يقارب 120 مستشاراً، تراوحت العقوبات بين الحبس النافذ والموقوف التنفيذ، حسب طبيعة التهم المنسوبة إليهم. كما لا تزال ملفات أكثر من 80 مستشاراً قيد المتابعة أمام القضاء، في انتظار استكمال المساطر القانونية وإصدار الأحكام النهائية.
وتوزعت هذه القضايا على مختلف مناطق المغرب، حيث سجلت الجهات الكبرى مثل الدار البيضاء-سطات، مراكش-آسفي، وسوس-ماسة، النسبة الأعلى من المتابعات، بالنظر إلى حجم الجماعات وعدد المنتخبين بها. وتنوعت التهم بين اختلالات في تدبير الصفقات العمومية، وتزوير وثائق إدارية، واستغلال النفوذ لتحقيق منافع شخصية، وتبديد أموال عمومية.
وتشير مصادر قضائية إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الملفات انطلق بناءً على تقارير رسمية صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، الذي أحال عدداً من الملفات على النيابة العامة المختصة، بعد رصد خروقات مالية وإدارية جسيمة. كما ساهمت شكايات المواطنين والجمعيات المحلية في كشف بعض التجاوزات، خاصة في ما يتعلق بتدبير العقار الجماعي وصفقات التهيئة الحضرية.
من جهة أخرى، يرى عدد من المتتبعين أن ارتفاع عدد المتابعات القضائية في صفوف المنتخبين المحليين يعكس من جهة تنامي ثقافة المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، لكنه في المقابل يبرز الحاجة إلى تأهيل المنتخبين وتعزيز قدراتهم في مجالات التدبير المالي والإداري، لتفادي الوقوع في أخطاء أو تجاوزات قد تكون ناتجة عن ضعف التكوين أكثر من سوء النية.
وفي الوقت الذي تواصل فيه المحاكم النظر في عشرات الملفات، تؤكد وزارة الداخلية والنيابة العامة على استمرار التنسيق بين المؤسسات الرقابية والقضائية لضمان الشفافية في تدبير الشأن المحلي، وحماية المال العام، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة.
وتكشف هذه المعطيات عن واقع مركب يطبع التجربة الجماعية في المغرب، حيث تتقاطع جهود الإصلاح والمساءلة مع تحديات التسيير المحلي، في انتظار أن تثمر الإصلاحات القانونية والمؤسساتية الجارية عن مشهد جماعي أكثر نزاهة وفعالية في خدمة التنمية المحلية.
تشير التقارير إلى أن المتابعات تشمل حالياً مئات الملفات التي تم تحريكها من طرف المجالس الجهوية للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية، مما يجعل الرقم الإجمالي للمنتخبين الذين سجنوا أو يتابعون في حالة اعتقال يرتفع بشكل غير مسبوق في تاريخ المغرب.



