Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

بين جدل “الكوفيين” و“البوريطيين”: هل نحن أمام انقسام حقيقي أم زوبعة رقمية؟

بقلم: الحسن سنداني

في الآونة الأخيرة، تصاعد نقاش محتدم داخل الفضاء الرقمي المغربي بين ما بات يُعرف اصطلاحًا بـ“الكوفيين” و“البوريطيين”.

ورغم الطابع الحاد الذي اتخذه هذا الجدل، فإن التمحيص العميق يكشف أننا لسنا أمام انقسام مجتمعي حقيقي بقدر ما نحن أمام ظاهرة رقمية عابرة، غذّتها سرعة انتشار المعلومة وسوء تأويل المواقف.لطالما تميز المجتمع المغربي بخصوصية نادرة في محيطه الإقليمي، قوامها التعدد المنسجم، حيث تتعايش داخله مرجعيات فكرية وثقافية مختلفة دون أن تتحول إلى صراعات بنيوية.

وهذا ما يُعرف بـالاستثناء المغربي، الذي يقوم على ثلاث ركائز أساسية:

أولها، وحدة الدولة والمجتمع تحت مؤسسة إمارة المؤمنين بقيادة جلالة الملك محمد السادس، بما توفره من استقرار رمزي وسياسي.

ثانيها، تاريخ طويل من التعايش والتوازن بين الانفتاح على العالم والتمسك بالثوابت الوطنية.

ثالثها، نضج مجتمعي يجعل الاختلاف وسيلة للنقاش لا أداة للتمزيق.إن ما يظهر اليوم من احتقان بين بعض الفئات لا ينبغي تضخيمه أو تأويله خارج سياقه، بل يجب فهمه كجزء من دينامية مجتمع حي يتفاعل مع قضايا إقليمية ودولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي تظل حاضرة بقوة في وجدان المغاربة بمختلف توجهاتهم.

غير أن هذا التفاعل، حين يُفصل عن الإطار الوطني الجامع، قد يتحول إلى مدخل للاستقطاب غير المنتج.الأخطر في هذا السياق هو محاولات بعض الأطراف…سواء من الداخل أو الخارج…استثمار هذا الجدل عبر صب الزيت على النار، بهدف خلق صورة زائفة عن انقسام داخلي، وهو ما يتغذى عليه خصوم التجربة المغربية.

فنجاح المغرب في الحفاظ على تماسكه، رغم التحولات الإقليمية العاصفة، يجعله نموذجًا يثير الإعجاب لدى البعض، ويُزعج آخرين يسعون إلى تقويضه.

إن “الطرف الثالث” الذي يتمسك بوحدة الصف الوطني يمثل في الحقيقة الأغلبية الصامتة داخل المجتمع المغربي؛ تلك التي تدرك أن الاختلاف في الرأي لا يجب أن يتحول إلى صراع هويات، وأن الأولوية تظل لمصالح الوطن، مع دعم القضايا العادلة في إطار رؤية متوازنة ومسؤولة.

في النهاية، يظل الرهان الحقيقي ليس في القضاء على الاختلاف، بل في تأطيره داخل سقف الثوابت الوطنية، واحترام القانون، والحفاظ على السيادة الفكرية للمجتمع. فالمغرب لم يكن يومًا بلد الإجماع القسري، بل بلد التعدد المنضبط…وهنا يكمن سر قوته، وسبب استمرارية استثنائه.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button