غضبة من المهاجرين قد تصيب فرنسا وساكنتها بما يشبه الموت السريري

بقلم: أحمد الميداوي–فرنسا
ماذا لو قررت الجمعيات الحقوقية وتلك المناهضة للعنصرية الرد على الحملة الظالمة التي يشنها اليمين المتطرف على المهاجرين، على مقربة من الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفرنسية بانتفاضة اجتماعية سلمية؟
ماذا لو قررت تنظيم يومين يتوقف فيهما المهاجرون عن العمل بكافة القطاعات والمرافق العمومية والخاصة، وعن ارتياد المطاعم والمتاجر وغيرها من المرافق التجارية والاقتصادية الأخرى؟ ماذا لو قررت تشكيل قوة فاعلة ومؤثرة لانتزاع الاعتراف اسميا بالمكونات الاقتصادية والاجتماعية للمهاجرين، ولإظهار الوزن الحقيقي لهؤلاء في كافة مناحي الحياة الفرنسية، ووضع حد للإهانات الصادرة في حقهم من طرف اليمين العنصري وجهات أخرى تمارس في صمت ما يمكن تسميته بالعنصرية الهادئة أو المقنعة. التقاء الأسيويين والأفارقة والعرب وغيرهم من الجنسيات، حول يومين خارج الزمن الاجتماعي والتجاري والاقتصادي الفرنسي، بعد أن فرض عليهم الزمن السياسي عزلة تمييزية صارخة، سيكون بمثابة الفاجعة الكبرى والداهية الشؤمى على ساكنة فرنسا برُمّتها.
دعونا نتخيُل وقع هذين اليومين على واقع الحياة بفرنسا، بما في ذلك أوراش البناء والتطهير وصرف المياه والنظافة، إلى جانب الرواج الاقتصادي والتجاري، ومدى عجز الفرنسيين على توفير (ومن دون الاستعانة بالمهاجرين) فضاء عمراني بمواصفات ثلاثية الأهداف: النظافة، العمل والرواج.. لتتخيّل حاملة لواء العنصرية، السيدة مارين لوبن، ومعها اليمين المتطرف بكل أوانه، المصانع الفرنسية فارغة من نصف عمالها، والمناجم متوقفة في انتظار عودة “أهاليها الأفارقة والمغاربيين، لأن الفرنسيين يفرّون من مخاطر الاختناق والموت المباغت تحت سطح الأرض. وليتصوّر دعاة العنصرية، أ وراش البناء وأشغال التطهير وصرف المياه، مشلولة في غياب أناس يشكلون الغالبية العظمى من الراضين على العمل بها. وليقف اليمين المتطرف برُمته على التكدس غير المسبوق للقمامات والأزبال المنزلية بسبب رفض أبناء جلدته الاشتغال في قطاع يعتبرونه جديرا بالأفارقة.
أبناك متوقفة عن العمل لغياب نصف أطرها.. متاجر وأسواق مهجورة.. مقاهي ومطاعم فارغة من نصف روادها وبعضها متوقف لعدم وجود غاسلي الأواني من المغاربيين على الخصوص لتنظيفها.. مرضى يستغيثون في حالة مزرية لأن المستشفيات خالية من نصف أطبائها وممرضيها ومستخدميها، مصالح إدارية بعضها مغلق وبعضها مُتعفّن بعد أن قاطعته عاملات النظافة الآسيويات والإفريقيات.. خضر وفواكه غير متوفرة لعدم قيام المزارعين ومعظمهم مغاربة وأفارقة بجنيها..
عجزة في حيرة من أمرهم لغياب من يعتني بهم من المهاجرات العاملات بالبيوت، وبدور العجزة.. موظفات غير قادرات على الالتحاق بالعمل لغياب من يحرسن أبناءهن من المربيات المغاربيات على الخصوص.. وسائل نقل متعثّرة في غياب السائقين وعمال الصيانة ونصفهم من المهاجرين.. فرق كروية غائب عنها ثلاثة أرباع لاعبيها من المهاجرين، على غرار فريق باري سان جيرمان الذي يشكل المهاجرون رصيده الأساسي. هكذا ينبغي أن يتخيل اليمين المتطرف، الوقفة التضامنية لمدة 48 ساعة فقط : شلل شبه تام في الجسد الاجتماعي والاقتصادي الفرنسي، وخاصة في القطاعات المرتبطة بالخدمات الاجتماعية.
تنظيم مثل هذين اليومين، هو أيضا لإثارة الانتباه إلى أن المهاجرين ليسوا فقط عمالا ومستخدمين، فمنهم الأطباء والمهندسون والجامعيون والإعلاميون والمستثمرون، ولم لا الوزراء الذين يشكلون أكثر من الرُّبع في التشكيلة الحكومية الحالية، على غرار سكان فرنسا التي بها 22 مليون مهاجر من أصل نحو 70 مليون نسمة.
وبقدر إصرارها على إنجاح هذين اليومين، تسعى الجمعيات الحقوقية التي تعنى بشؤون المهاجرين إلى حمل الخطاب النوعي النافذ في الأوساط الفرنسية، ومحو الصورة النمطية المغلوطة التي ترسمها التيارات المتطرفة عن المهاجرين.
ومن منظور آخر، فإن الحملات العنصرية التي تجتاح فرنسا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، مردّها إلى برامج أحزاب سياسية متطرفة، تعرف جيدا قيمة المهاجرين ودورهم داخل المجتمع، ولكن تحاول اللعب على مشاكلهم وعلى اختلاف ثقافاتهم لتخويف الفرنسيين منهم.
ويمكن التأكيد من منظور ثالث، على أن الإهانة والتمييز اللذان يتعرض لهما المهاجرون بشكل عام، يقع جزء كبير منه على عاتق ألمغتربين أنفسهم فيما أصبح عليه وضعهم، خاصة مع ما يتوفر لديهم من فرص في المجتمع للدفاع عن حقوقهم ضد ثقافة التهميش.
فلم يتمكن هؤلاء حتى اليوم، سواء بشكل انفرادي أو ضمن جمعيات تمثيلية، من ضبط مرجعية سياسية مشتركة، تسمح بالتلاقي حول تطلعات موحدة، وما زالوا مختلفين بين من يتبنى اختيارات يمينية، وآخر مرجعيات يسارية، إلى ثالث يقتصر على حصر تطلعاته ضمن الحدود الجغرافية لبلده الأصلي فقط.
وتكمن المشكلة من جهة أخرى، في ارتباط المهاجرين الأفارقة والعرب والآسيويين بأكثر من عشرين بلدا، مع كل ما يحمل هذا الارتباط من تقاطع وتعارض بين أولويات هذه الدول، وطبيعة السلطة فيها، وعلاقتها بالمهاجرين وبسلطات البلد المضيف، فضلا عن الطابع غير الديمقراطي لمعظم البلدان المصدرة للهجرة، والتصدع السياسي والثقافي الذي تعيشه مع انعكاساته المختلفة على أبناء الهجرة.



