Hot eventsأخبارأخبار سريعة

المحاماة النظيفة… أسئلة مشروعة حول مفهوم يحتاج إلى توضيح.

ذ. زهير أصدور: محامي بهيئة الرباط

أثار استعمال وزير العدل لعبارة “المحاماة النظيفة” خلال إحدى خرجاته التواصلية نقاشا واسعا داخل الأوساط المهنية والحقوقية، ليس لأن أحدا يختلف حول ضرورة أن تكون المحاماة مهنة قائمة على النزاهة والاستقلال والشرف والاستقامة، وإنما لأن العبارة في حد ذاتها تظل مفهوما عاما وفضفاضا يحتاج إلى تحديد دقيق لمعناه وحدوده ومقصوده.

فالمحاماة، باعتبارها مهنة منظمة بقانون، لا تعرف في نصوصها القانونية تصنيفا يسمى “المحاماة النظيفة” في مقابل “المحاماة غير النظيفة”. النصوص تتحدث عن حقوق وواجبات، وعن أخلاقيات المهنة، وعن حالات التنافي، وعن المخالفات التأديبية والعقوبات المترتبة عنها، لكنها لا تستعمل هذا الوصف الذي يحمل أكثر من دلالة أخلاقية وسياسية ومجتمعية.

ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة المشروعة التي من حق المحامين والرأي العام طرحها.
هل يقصد الوزير بالمحاماة النظيفة تلك التي تحترم مقتضيات القانون المنظم للمهنة وقواعدها الأخلاقية؟ فإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال يصبح: ما هي المظاهر التي يعتبرها الوزير خروجا عن هذه النظافة المهنية؟ هل يتعلق الأمر ببعض الممارسات التي قد تشكل إخلالا بواجبات الاستقلال والنزاهة والوقار؟ أم يتعلق الأمر بظواهر السمسرة والوساطة واستغلال النفوذ التي طالما اشتكى منها المهنيون أنفسهم قبل غيرهم؟

وهل المقصود بالمحاماة النظيفة هو المحامي الذي يلتزم حصرا بممارسة مهنته دون الانخراط في أنشطة أخرى؟ فالقانون وضع قواعد دقيقة لحالات التنافي، ومنع بعض الأنشطة وسمح بأخرى. لذلك يحق التساؤل: هل تشير هذه العبارة إلى المحامين الذين يزاولون أنشطة اقتصادية أو تجارية أو استثمارية موازية؟ وهل مجرد امتلاك شركة أو المساهمة في مشروع اقتصادي أو عقاري يجعل صاحبه خارج دائرة “المحاماة النظيفة”؟ أم أن الأمر يتعلق فقط بالحالات التي يؤدي فيها النشاط الموازي إلى تضارب المصالح أو المساس باستقلالية المحامي؟

وهل يقصد الوزير بالمحاماة النظيفة تلك البعيدة عن البحث المفرط عن الربح وتحويل الرسالة النبيلة للمهنة إلى مجرد نشاط تجاري؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن يحدد الحد الفاصل بين النجاح المهني المشروع وبين ما يمكن اعتباره اتجارا بالمهنة؟ وهل يصبح المحامي الناجح ماليا محل شبهة فقط بسبب نجاحه الاقتصادي؟

ثم إن الحديث عن “المحاماة النظيفة” يثير سؤالا آخر لا يقل أهمية: هل المقصود أفراد بعينهم أم أن الأمر يتعلق بوصف عام للمهنة؟ لأن التعميم في مثل هذه القضايا قد يكون خطيرا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمهنة تؤدي أدوارا دستورية أساسية في حماية الحقوق والحريات والدفاع عن المواطنين وضمان شروط المحاكمة العادلة.

كما يطرح التساؤل حول ما إذا كانت عبارة المحاماة النظيفة مرتبطة فقط بالمحامين، أم أنها جزء من رؤية أشمل تتعلق بتخليق منظومة العدالة برمتها. فإذا كنا نتحدث عن النزاهة والاستقامة والشفافية، فإن هذه القيم لا تخص مكونا واحدا من مكونات العدالة، بل تشمل جميع الفاعلين دون استثناء، من قضاة وموظفين ومفوضين قضائيين وخبراء وموثقين وعدول وغيرهم.

ومن زاوية أخرى، فإن استعمال مفهوم أخلاقي عام من قبيل “النظافة” يقتضي تحديد معياره بدقة. فهل معيار النظافة هنا قانوني أم أخلاقي؟ وهل يقاس بمدى احترام النصوص القانونية أم بصورة المحامي في الرأي العام؟ وهل يكفي وجود مخالفة تأديبية حتى يصبح المحامي خارج دائرة “المحاماة النظيفة”؟ أم أن الأمر يتعلق بمنهج كامل في الممارسة والسلوك؟

إن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تفهم على أنها اعتراض على مبدأ التخليق أو الدفاع عن أي ممارسة مخالفة للقانون، بل هي محاولة لفهم المقصود الحقيقي من عبارة أثارت الكثير من التأويلات. فالوضوح في الخطاب العمومي يظل شرطا أساسيا لبناء الثقة وتجنب سوء الفهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بمهنة لها مكانة دستورية وتاريخية داخل منظومة العدالة.

ولعل ما يحتاجه النقاش اليوم ليس إطلاق أوصاف عامة قابلة لقراءات متعددة، بل تحديد دقيق للممارسات التي يراد محاربتها، والآليات القانونية الكفيلة بمعالجتها، والضمانات الضرورية لحماية شرف المهنة واستقلالها. فالمحاماة لا تقاس بالشعارات، وإنما بمدى احترام القانون وأخلاقيات المهنة، وبقدرة المؤسسات المهنية على التصدي لكل انحراف أو تجاوز وفق المساطر القانونية والضمانات التأديبية المقررة.

ويبقى السؤال قائما: عندما نتحدث عن “المحاماة النظيفة”، هل نحن أمام مفهوم قانوني واضح المعالم، أم أمام شعار أخلاقي يحتاج إلى مزيد من التفسير والتدقيق؟ وهو سؤال مشروع، لا يستهدف الأشخاص، بل يبحث عن وضوح المفاهيم في نقاش يهم إحدى أهم المهن المرتبطة بالعدالة وسيادة القانون.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button