هندسة المسافات.. عندما يصبح الحذر ملاذاًالاستهلال

بقلم : ديمة الشريف – السعودية
يُخطئ من يظن أن الصبر بئرٌ لا ينضب، أو أن الاحتمال صفةٌ تمتد بغير نهاية. فالنفس البشرية، مهما بلغت من السمو، لها “نقطة غليان” لا تعود بعدها كما كانت.
نحن نصبر لا ضعفاً، بل رغبةً في استبقاء الود، لكن حين تتجاوز الوقاحة حدود الأدب، وتصبح البشاعة طبعاً متأصلاً في الآخر، يتحول الصبر من فضيلة إلى استنزافٍ مهين للكرامة.
المتن: عبث المحاولة وفن المسافة
إن أكبر معاركنا الخاسرة هي تلك التي نخوضها لـ “تغيير” الآخرين.
فالطباعُ التي صقلتها السنوات، والوقاحة التي يراها أصحابها “صراحة” أو “قوة”، ليست سوى جدران صلبة ستتحطم عليها محاولاتنا للإصلاح. الحقيقة المُرّة التي يجب أن ندركها هي: نحن لا نملك مفاتيح أرواحهم، لكننا نملك أقفال أبوابنا.
عندما ندرك أن الطباع غلاب يتوقف استنزافنا في لومهم أو انتظار تبدّل أحوالهم.
فهنا تبدأ مرحلة “التعايش الحذر”، وهي حالة من النضج تقتضي أن نضع كل إنسان في حجمه الحقيقي، وألا نمنح ثقتنا المطلقة إلا لمن أثبت أنه يستحق أمان قلوبنا.
التحليل: الحذر كدرع لا كخوف
الحذر في التعامل مع “بشاعة البشر” ليس جبناً، بل هو “هندسة للمسافات”.
أن تضع حاجزاً من اللباقة الرسمية، وتختصر أحاديثك، وتجعل توقعاتك منهم في أدنى مستوياتها؛ كل ذلك يحمي صبرك من النفاذ. أنت هنا لا تعاديهم، بل “تُحيّد” أثرهم على سلامك الداخلي.
الخاتمة: البقاء للأنقى نفسياً
في نهاية المطاف، لن تنجح في تلوين السواد الذي يملأ قلوب البعض، لكنك تستطيع أن تمنع هذا السواد من تلطيخ ثوبك الأبيض. تعايش معهم بابتسامة باردة، وحدود واضحة، وقلبٍ مقفلٍ أمام رياح سمومهم. فالحياة أقصر من أن نضيعها في تفسير سوء نيتهم أو في محاولة ترميم نفوسٍ تأبى إلا أن تكون محطمة.



