Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

شهر من العسل … وسنوات من البصل

بقلم:ديمة الشريف – السعودية

لطالما تغنّى الشعراء بـ “شهر العسل”، تلك الحقبة الزمنية الوردية التي يغلفها بريق البدايات، حيث الوعود براقة والكلمات منتقاة بعناية خلف أقنعة التجمل. لكن الحقيقة التي لا تدركها القلوب إلا بعد حين، هي أن الحياة الزوجية ليست نزهة أبدية في حقول الياسمين، بل هي رحلة تبدأ فعلياً حين يغلق باب المنزل، وتسقط الأقنعة لتظهر الشخصية الحقيقية بكل تفاصيلها؛ بمواطن قوتها، وعمق ضعفها، بصدقها الصريح أو كذبها الموارب.

هنا، ننتقل من حلاوة العسل إلى واقع “سنوات البصل”. ورغم ما يوحي به الاسم من مرارة أو دموع، إلا أن التأمل في طبيعة “البصل” يكشف لنا فلسفة عميقة للتعايش والبقاء.

فلسفة البصل في وعاء الحياة

إن البصل، رغم رائحته النفاذة والدموع التي يذرفها من يقترب منه، هو المكون الذي لا يستقيم طعم طعامنا بدونه.

 إنه “المناعة” التي تقوي أجسادنا، تماماً كما أن المواقف الصعبة هي التي ترفع “المناعة النفسية” للرابطة الزوجية. ففي المواقف الشديدة تظهر معادن البشر الحقيقية؛ فإما أن يصهرك التحدي لتصبح أكثر صلابة، أو تتهاوى كما تتهاوى القشور الخارجية الواهية.

بيئة النمو: من التربة إلى العشرة

كما ينبت البصل في التربة الزراعية جيدة الصرف، الغنية بالمواد العضوية، تحتاج العلاقة الزوجية إلى “تربة” من الاحترام المتبادل والتقدير لتنمو.

البصل يطلب أماكن مشمسة ومناخاً معتدلاً (بين 13 و24 درجة مئوية)، وهو ما يوازيه في الحياة الزوجية مناخ “الاحتواء” و”الدفء العاطفي”.

 فالعلاقات التي تنمو في جو من البرود العاطفي أو التوتر الدائم، لن تنتج إلا ثماراً ذابلة.

وكما يُزرع البصل في “عروات” شتوية بمناطق وربيعية بأخرى، يتكيف الإنسان بطبعه مع “مواسم” حياته. 

في الصين والهند ومصر، ينتج البصل بكثرة لأنه وجد البيئة التي تفهم احتياجاته، وكذلك الزوجان؛ ينجحان حيثما وجدا التفاهم الذي يستوعب تقلبات الفصول بينهما.

الإنسان كالبصل: الصبر والتكيف

الإنسان في جوهره يشبه البصل؛ كائن صبور، متكيف مع بيئته المناخية وظروف عمله المحيطة. إنه يصبر على كافة تحديات الحياة المختلفة، ويختبئ خلف طبقات متعددة من المشاعر. أحياناً نحتاج أن “نقشر” تلك الطبقات لنصل إلى القلب الأبيض النقي، وهي عملية قد تسبب لنا بعض الألم أو الدموع، لكنها ضرورية لنفهم من نشاركه العمر.

الخاتمة

إن “سنوات البصل” ليست شقاءً كما يظن البعض، بل هي سنوات التأسيس والجدارة. هي الاختبار الحقيقي للصبر والقدرة على التكيف. فالعسل قد يمنحنا طاقة مؤقتة، لكن البصل هو الذي يمنحنا الصحة والاستمرار. فسلامٌ على القلوب التي تصبر على “مرارة” المواقف لتجني “حلاوة” العشرة، وسلامٌ على من أدرك أن بناء البيوت لا يقوم على الأماني، بل على معادن الرجال وصبر النساء في مواجهة رياح الحياة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button