أخبارالرئيسيةكلام والسلام

مراكش..حين تتنفس الروح عبق التاريخ

هناك مدن تزورها بقدميك، ولاتترك فيك أثرا إلا لماما، و هناك مدن تفرض عليك أن تزورها بروحك لا بقدميك. مراكش، مدينة البهجة والنخيل والزيتون و مدينة الحدائق الغناء العجيبة . هذه هي المدينة التي لا تكتفي بأن تستقبلك بعطورها و ورودها وتوابلها المضمخة بعطر التاريح وفسيفساء الحضارة المغربية، بل تحتضنك حكايا وسرديات مساحات تذكرك، كما تغني لك تراثا فريدا…مساحات تحتضنك، تسكنك، تتسلل إلى ذاكرتك والى روحك تجدد فيك “تمغربيت” كعطر قديم لا يُنسى. زرتها باحثًا عن مدينة، عن حضارة، فوجدتها تراثا وحكاية. دخلتها سائحًا، وخرجت منها عاشقا حالمًا.

جامع الفنا..مسرح الحياة الأبدي

حين تطأ قدماك ساحة جامع الفنا، تدرك أنك لست في مكان عادي. أنت في قلب العالم النابض، في مسرح مفتوح لم يُسدل ستاره منذ قرون. هنا، الحياة تُعزف على إيقاع الدفوف والمزامير، والحكايات تُروى بلهجة مراكشية دافئة كشمس الظهيرة. رائحة الكمون تختلط بعبق النعناع الطازج، وصوت بائع البرتقال يتداخل مع ضحكات الأطفال. حلقات الحكواتيين تجمع العشرات، أعينهم معلقة بشفاه رجل عجوز يروي حكاية قديمة، كأنها وُلدت للتو. وهناك، في الزاوية، مروض الأفاعي يُخرج أفعى من سلة، والسياح يلتقطون الصور بذهول ممزوج بخوف لذيذ.

جلست على إحدى المقاهي المطلة على الساحة، أحتسي كأس شاي بالنعناع، وأراقب المشهد كمن يشاهد لوحة حية. كل شخص هنا ممثل وجمهور في آن واحد. الساحة لا تنام، لا تهدأ، لا تشيخ. هي كائن حي يتنفس بإيقاع المدينة، يضحك مع الفجر، ويرقص مع الغروب.

الأسواق التقليدية: متاهة من الجمال

من جامع الفنا، تأخذك قدماك إلى الأسواق التقليدية، تلك المتاهة الساحرة التي تضيع فيها بلذة الأزقة الضيقة التي تتشابك كخيوط سجادة مغربية بتلاوينها وجغرافياتها، وكل زقاق يحمل مفاجأة: هنا محل للفخار الملون، وهناك دكان للجلود المدبوغة، وفي الزاوية حرفي يطرق النحاس بإيقاع موسيقي متواتر أسر.

الألوان تنفجر أمام عينيك..الأحمر القرمزي، الأزرق الكوبالتي، الأصفر الزعفراني، الأخضر الزمردي. كل لون يحكي قصة، كل قطعة تحمل بصمة يد صنعتها بحب وصبر. تمر بسوق التوابل، فتشعر أن أنفك يسافر إلى بلاد بعيدة: الزنجبيل، القرفة، الكركم، الزعفران، كلها معروضة في أهرامات صغيرة تغري العين قبل الأنف.

وقفت أمام محل للفوانيس المغربية، تلك التحف المعدنية المثقوبة التي تحول الضوء إلى شعر. سألت الحرفي عن عمره، فأجاب: “أنا في الخمسين، لكن هذه الحرفة عمرها خمسمائة سنة”. في تلك اللحظة، أدركت أنني لا أشتري فانوسًا، بل أحمل معي قطعة من الزمن.

قصر الباهية: همسات الجمال الأزلي

إذا كانت الأسواق روح مراكش الشعبية، فقصر الباهية هو روحها الأرستقراطي الباذخ في الجمال والبهاء. دخلت القصر، فشعرت أنني أدخل حلمًا مرصعًا بالزليج والجبس المنقوش. كل جدار لوحة فنية، كل سقف سماء مزخرفة، كل فناء جنة صغيرة.”الباهية” تعني الجميلة، والاسم لم يُختر عبثًا. القصر بُني في القرن التاسع عشر ليكون تحفة تليق بحبيبة الوزير، فخرج تحفة تليق بالخلود. الأفنية الداخلية تتوالى كفصول رواية، كل واحد أجمل من سابقه. أشجار البرتقال تملأ الحدائق، ونافورات الماء تهمس بأسرار قديمة.

وقفت في إحدى القاعات، أتأمل السقف الخشبي المنقوش بدقة تحبس الأنفاس. كم من يد صانع مغربي عملت على اخراج هذا الجمال؟ كم من ساعة صبر وإتقان؟ في عصر السرعة والاستهلاك، يقف قصر الباهية شاهدًا على زمن كان فيه الجمال عبادة، والإتقان دينًا.

قصر البديع..عظمة الخراب

من الباهية إلى البديع، من الجمال المكتمل إلى الجمال المهدوم. قصر البديع، ذلك العملاق المنكوب، يقف كشاهد على عبثية المجد الزائل. بُني في القرن السادس عشر ليكون أعظم قصور العالم، فكان كذلك لعقود، قبل أن تنهبه دواعي الزمن وأيادي الغدر ويحوله إلى أطلال. لكن حتى في خرابه، البديع بديع. الجدران المتهدمة تحكي أكثر من الجدران القائمة. الأعمدة المحطمة تشير إلى سماء لم تعد تحميها سقوف. الأحواض الفارغة تتذكر الماء الذي كان يرقص فيها.

وأنت تمشي بين الأنقاض، تشعر بثقل التاريخ، بهشاشة المجد، بحتمية الزوال. جلست على حافة أحد الأحواض، أتأمل اللقالق التي اتخذت من الأبراج المتهدمة أعشاشًا لها. الحياة تستمر، حتى فوق الخراب. الجمال يولد من جديد، حتى من رحم الدمار. قصر البديع لم يمت، بل تحول إلى نوع آخر من الجمال: جمال الحنين، جمال الذكرى، جمال التاريخ.

المدينة العصرية: حين يلتقي الماضي بالحاضر

خارج أسوار المدينة العتيقة، تنتظرك مراكش أخرى. المدينة العصرية، بشوارعها العريضة، ومقاهيها الأنيقة، ومحلاتها العصرية. هنا، الحداثة لا تلغي التراث، بل تحاوره، تعانقه، تمتزج به.حي جيليز، بفيلاته الفاخرة وحدائقه الخضراء، يقدم وجهًا آخر لمراكش. المطاعم العالمية تجاور المطاعم التقليدية، والموضة الحديثة تسير جنبًا إلى جنب مع الجلباب المغربي.

في هذا الحي، تشعر أن مراكش الحمراء لم تختر بين الماضي والحاضر، بل احتضنت الاثنين. مشيت في شارع محمد الخامس، الشريان الرئيسي للمدينة الجديدة، وشعرت بنبض مختلف. هنا، الشباب المراكشي يعيش حياته العصرية، لكنه لا ينسى جذوره. الفتاة التي ترتدي الجينز تعرف طريقها إلى جامع الفنا، والشاب الذي يحمل هاتفه الذكي يحفظ أسماء أزقة المدينة القديمة.

مراكش..حين تعشقك مدينة النخيل والبخور

غادرت مراكش، لكن مراكش لم تغادرني. ما يزال نفسها يسكنني، ما زلت أسمع صوت المؤذن يتردد من مئذنة الكتبية التي صليت في مسجدها الجميل الذي يأسر القلوب قبل العيون، ويرفع عندك منسوب يقظة الروح والتجلي..التقيت برحاب المسجد مسلما بنغاليا، صلى وتبادلنا صورا وارقام هواتفنا وضربنا موعدا للقاء برمجته روح جامع الكتبية العظيم، ما زلت أشم رائحة الورد الطبيعي المجفف المنتشر في كل دروب المدينة، مازالت رائحة الكمون في الأسواق تنعشني، وتفتح عندي شهية الأكل..ما زلت أرى ألوان الزليج في قصر الباهية، ما زلت أشعر بثقل التاريخ في قصر البديع.

مراكش ليست مجرد مدينة تزورها، بل حالة تجل وروحانية تعيشها. هي درس في الجمال، في الصبر، في الإتقان، في الأصالة، في القيم الكونية ..هي درس في الألفة بين مختلف الاجناس والأعراق التي تحتضنها مراكش الحمراء. مراكش البهجة التي تجمعة في توليفة مغربية فريدة بين القديم والجديد.

هي مدينة تعلمك أن التاريخ ليس ماضيًا ميتًا، بل حاضر حي ينبض في كل زقاق المدينة، في كل حجر، في كل نسمة هواء، في كل حكايا مسرح جامع الفناء ابعالمية.

عدت من مراكش بحقيبة مليئة بفسيفساء حضارية روحانية جاذبة آسرة للقلب قبل العين وللروح قبل الجسد.. ذكريات ومشاعر لا تُوصف، وحنين لن ينتهي.

مراكش، يا مدينة البهجة والخضرة و الحنين، يا ساحرة شامخة لا تشيخ.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button