برنامج “للحديث بقية”..أزمة حوار انقلب فيها السحر على الساحر

أثار الأداء الإعلامي في حلقة برنامج “للحديث بقية”، التي استضافت الدكتور إدريس الأزمي الإدريسي، بصفته نائبا للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والسياسية، لما تضمنته من أسلوب حواري اتسم بالتوتر والمقاطعة المتكررة، ما جعل النقاش بحسب متابعين وبعض منصات التواصل الاجتماعي و بعض من حضروا في بلاطو البرناج، جعله، ينحرف عن مساره المهني إلى فضاء من التشويش والجدل غير المنتج، فيما يرى فيه البعض الآخر نقاشا إعلاميا وسياسيا وافيا، و سليما في ظل التجاذب الذي تخلقه هكذا برامج سياسية عشية بداية التسخين الانتخابي.
هذا الحدث أعاد إلى الواجهة النقاش حول أخلاقيات الممارسة الإعلامية، وحدود المهنية في البرامج الحوارية ذات الطابع السياسي، خصوصا في ظل النقاش الحاد الجاري حول الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، والتسخين السياسي الذي تشتغل عليه مختلف الأطياف الحزبية لاستمالة الناخبين قبل حوالي أربعة أشهر من الاقتراع الانتخابي.
والملاحظ، أن ما عُرض في الحلقة لم يكن مجرد ممارسة صحفية تسعى إلى كشف الحقيقة أو مساءلة المسؤولين العموميين، بل بدا أقرب إلى محاولة ممنهجة لإرباك الضيف وإضعاف حججه عبر أسئلة متكررة ومقاطعات متعمدة.
ورغم أن الحدة في الحوار تُعد من أدوات الصحفي الناجح، فإنها تتحول إلى انحراف مهني حين تُستخدم بشكل انتقائي ضد طرف سياسي معين، بينما تُستبدل بنبرة لينة ومهادِنة عند استضافة أطراف أخرى. هذا التناقض يضعف ثقة الجمهور في البرنامج، وفي الإعلام عموما ويكشف عن ازدواجية في المعايير.

والصحافة، في جوهرها، رسالة ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة. فهي مطالبة بتقديم المعلومة الدقيقة، وفتح النقاش العمومي بموضوعية، لا بتحويل المنصات إلى ساحات لتصفية الحسابات أو تمرير الأجندات.
ما حدث في هذه الحلقة يعكس أزمة أعمق يعيشها جزء من المشهد الإعلامي المغربي، حيث تتغلب النزعة الاستعراضية على المضمون، ويُستبدل الحوار الهادئ بالاستفزاز، في محاولة لجذب نسب المشاهدة على حساب المصداقية. في الوقت الذي كان ينتظر فيه المغاربة حوارا ناضجا قويا يضغط في اتجاه تمكين البرنامج من استخراج الحقائق كما هي من ضيف البرنامج، لا أن يضغط في اتجاه محاولة إحراج الضيف وكفى، ما فقد قيمة معنى البرنامج وأعطى للضيف حظوة البروز بوجه مشرف وبحجج قوية دامغة.
وأظهر القيادي السياسي في حزب العدالة والتنمية إدريس الأزمي رباطة جأش واضحة خلال الحوار، إذ واجه المقاطعات المتكررة بثبات واتزان، معتمداً على الحجة والمعرفة. هذا الأداء الهادئ عزز صورته كفاعل سياسي قادر على إدارة النقاش رغم محاولات الإرباك، ما جعل كثيرين يرون في ظهوره نموذجاً للتماسك أمام الضغط الإعلامي.
وتُبرز هذه الواقعة استمرار هيمنة المال والتوجيه السياسي على بعض الإعلاميين وبعض المؤسسات الإعلامية، التي لم تستطع بعد التحرر من تأثير المصالح الاقتصادية والسلطوية. فحين يتحول الصحفي إلى أداة في يد الممول أو الفاعل السياسي، يفقد الإعلام دوره كسلطة رابعة، ويتحول إلى صدى لأجندات خفية.
و المواطن المغربي الذي أصبح اليوم أكثر وعياً وقدرة على التمييز بين النقد البناء والاستهداف المقنّع، لم يعد يكتفي بالمشاهدة فقط، بل يُحلل ويقارن، ويدرك متى يكون الصحفي موضوعياً ومتى يتحول إلى طرف في الصراع. هذا الوعي الشعبي يشكل صمام أمان ضد الانحراف الإعلامي، ويعيد التوازن إلى المشهد العمومي.
وهو ما عبرت عنه ردود الفعل القوية والكثيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ونسرد هنا بعض هذه الردود التي لامست عمق أزمة الحوار ، حيث يقول مبارك علي الكدايل“ما شاهدناه في برنامج “للحديث بقية” من أداء إعلامي في محاورة الدكتور إدريس الأزمي، لم يكن مجرد “مهنية صحفية” تبحث عن الحقيقة، بل كان عرضاً مكشوفاً لـ “التشويش الممنهج” ومحاولة بائسة لإرباك الضيف وتضييع وقت البرنامج في متاهات الأسئلة المكررة والمقاطعات الفجة.

أن يمارس الصحفي دور “المشاكس” فهذا حقه، بل وواجبه؛ لكن أن تتحول “الحدة والقفوزية” إلى سلاح يُشهر فقط في وجه تيار بعينه، بينما تتحول تلك المخالب إلى “نبرة حمل وديع” حين يتعلق الأمر بالطرف الآخر (أخنوش ووكلائه)، فهنا نسقط في فخ الذاتية وخدمة الأجندات المعلومة.”
ويقول ياسر أبو عمار المختوم“طبعًا، لا يمكنني التعليق على طريقة الزميل الصحافي يزسف بلهيسي في إدارة الحوار ضمن برنامجه «للحديث بقية» على القناة الأولى؛ فذلك يدخل ضمن اختياراته المهنية، وقد تتحكم فيها عدة عوامل، منها الخط التحريري للقناة وتوجيهات المسؤولين عنها.
لكن دعونا نتوقف عند هذه الأرقام المرتبطة بتحليل الحلقتين الأخيرتين من البرنامج: حلقة أمس مع نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إدريس الأزمي الإدريسي، وحلقة الأسبوع الماضي مع كاتب الدولة لحسن السعدي، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار.
في استضافة «الأزمي»، قاطع الصحافي ضيفه 47 مرة خلال الحلقة، دون احتساب تدخلات الصحافي للانتقال إلى محور جديد أو طرح أسئلة جديدة؛ أي إن الأمر يتعلق فقط بالمقاطعات التي جرت أثناء جواب الضيف عن السؤال نفسه.
أما في استضافة «السعدي»، فقد قاطع الصحافي ضيفه 12 مرة، أيضًا دون احتساب تدخلاته المرتبطة بالانتقال بين المحاور أو طرح أسئلة جديدة. وفي أول فقرة من الحوار، المتعلقة بفتح الظرف وقراءة الرسالة التي تركها الضيف السابق، ثم التفاعل معها، قاطع الصحافي ضيفه الأزمي 13 مرة، بينما قاطع ضيفه السعدي مرة واحدة فقط.
ويقول خالد البرنوصي “ليس الدفاع عن الصحفي، بل الاحتفاء بقدرة الضيف على تحويل الاستفزاز إلى مكسب إعلامي..
لا أفهم حقيقة كل هذا الهجوم على الصحفي بلهيسي.. هل المطلوب من صحفي يعمل بقناة عمومية وينشط برنامجا حواريا أن يتحول إلى محاور لطيف، يمرر الأسئلة الناعمة ويكتفي بهز الرأس كما يفعل مع مديريه؟
من صميم العمل الإعلامي أن يستفز مقدم البرنامج ضيفه بأسئلة حادة، وقد تبدو للبعض منحازة أو مستفزة، لأن هذا الأسلوب هو الذي يدفع الضيف لإخراج أفضل ما لديه من أجوبة وحجج وتفاعل.. أو يكشف، في المقابل، هشاشة موقفه وضعف منطقه..
ثم إن البرامج الحوارية ليست مناسبة او مهرجانا للمجاملة، بل فضاء للنقاش والاحتكاك الفكري والسياسي، وكلما كان الحوار ساخنا ومشحونا بالأسئلة الصعبة، ارتفعت نسبة المشاهدة واتسع انتشار التصريحات والمواقف..
وبما أننا أمام ضيف من حزب العدالة والتنمية يمتلك قدرة كبيرة على الرد، ولديه من الحجة والمعطيات ما يكفي لمواجهة الأسئلة المحرجة، فأرى أن مثل هذه البرامج تخدمه أكثر مما تضره، لأنها تمنحه فرصة لعرض خطابه أمام جمهور واسع دون وسائط..
نعم، جميعنا لدينا ملاحظات على بلهيسي، خصوصا عند مقارنة خرجاته الإعلامية بين زمن حكومة حزب العدالة والتنمية وما تلاها.. لكن، في بعض الأحيان، نحن أيضا نبالغ في ردود أفعالنا، ونخلط بين الاختلاف مع الصحفي وبين رفض قواعد اللعبة الإعلامية نفسها..
اخيرا، في تقديري، مهما كانت نية مقدم البرنامج، فقد منح إدريس الأزمي الإدريسي فرصة ذهبية ليتألق على شاشة عمومية، ويظهر متماسكا، سريع البديهة، قويا في الحجة، وقادرا على إدارة الضغط والمقاطعة.. وهذه صورة إعلامية ثمينة تصب في مصلحة حزب العدالة والتنمية أكثر مما تضره..
أحيانا، أقسى الأسئلة وأشد أساليب المحاورة تصنع أفضل ظهور سياسي لمن يملك الكفاءة والقدرة على المواجهة.. وهذا ما قصدته فقط..
قليل من سعة الصدر رحمكم الله.. وكثير من الثقة في قوة الفكرة والحجة.. هذا أجدى من معارك جانبية لا تضيف شيئا بل تستهلك قواكم على حساب المعارك الحقيقية..”.
إن ما جرى في برنامج “للحديث بقية” ليس مجرد حادثة عابرة، بل مؤشر على اختلال في الممارسة الإعلامية يستدعي وقفة تأمل ومراجعة. فالمصداقية الإعلامية لا تُبنى بالصوت المرتفع ولا بالأسئلة الاستفزازية، بل بالإنصاف والموضوعية واحترام ذكاء الجمهور.
حين تتحول الصحافة إلى أداة استقواء على البعض وانبطاح أمام البعض الآخر، تفقد رسالتها الجوهرية. والمجتمع الذي يفقد إعلامه المتوازن، يفقد جزءاً من وعيه الجمعي وقدرته على النقاش الحر والمسؤول.



