فلسفة البهجة.. حين يغتال “الاستعراض”

بقلم : ديمة الشريف – السعودية
جوهر الاحتفال زمن الهرولة نحو الصورة، ومطاردة الأضواء المبهرة، انزاحت الأفراح من القلوب إلى العدسات، وتحولت المناسبات من طقوسٍ روحية تجمع الأرواح، إلى “مسارح” مؤقتة يُؤدي فيها الجميع أدواراً مرسومة بدقة.
لقد غرقنا في بحر “البهرجة”، حتى صرنا نقيس قيمة الفرح بمقدار ما نُنفق، لا بمقدار ما نَشعر.سيكولوجيا التباهي.. الفرح كأداة للمقارنةلم يعد الاحتفال اليوم دعوة للمشاركة في لحظة سعادة، بل صار في كثير من الأحيان إعلاناً عن “المكانة”.
إننا نغلف القلق الاجتماعي بطبقات من الزينة البلاستيكية، ونحاول ترميم ثغراتنا النفسية بجبال من الورق الملون. هذا الاندفاع نحو البذخ ليس إلا محاولة بائسة لتثبيت لحظة عابرة في ذاكرة الآخرين، متناسين أن الذكريات الحقيقية لا تُصنع من الديكورات التي تذبل، بل من الضحكات التي تنبع من القلب.
هندسة الهدر.. ترفٌ بطعم العدم
تأملوا تلك الديكورات التي تُقام لساعات: إنها “عمارة العدم”. مبالغ طائلة تُسحق تحت أقدام المارة، ونفايات تتراكم لتخنق البيئة بعد أن خنقت بساطتنا.
حتى “الكعكة” التي كانت رمزاً لاقتسام الحلاوة، باتت اليوم مجسماً أصماً، مغلفاً بطبقات من الشمع والسكر الصلد، لا تصلح إلا للتصوير.
إننا نأكل بأعيننا “صورة” الكعكة، بينما تذهب الحقيقة إلى سلال المهملات. أليس من المفارقة أن نحتفل “بالحياة” من خلال تكديس أشياء ميتة لا روح فيها ولا نفع منها؟
في حضرة البساطة.. حيث تسكن الأناقة
إن الأناقة الحقيقية، في جوهرها، هي تجريد الأشياء من زوائدها. الاحتفال الحقيقي هو “لقاء”، واللقاء لا يحتاج إلى ستائر مخملية ليحدث، بل يحتاج إلى نفوسٍ منفتحة.
حين نتحرر من قيد “ماذا سيقول الناس؟”، نجد أن فنجان قهوة مع صديق في زاوية دافئة، أو جلسة عائلية بسيطة بلا تكلف، قد تمنحنا من السكينة ما لا تمنحه قاعات الأفراح الأسطورية.
الاعتدال ليس دعوة للتقشف، بل هو دعوة لـ “الوعي”. هو أن نحترم النعمة فلا نهينها بالهدر، وأن نحترم الإنسان فلا نرهقه بالمظاهر، وأن نحترم اللحظة فلا نقتلها بالتصنع.
العودة إلى الجوهر
إننا بحاجة إلى ثورة بيضاء على عاداتنا الاستهلاكية في المناسبات. لنعد للاحتفال بمعناه البدائي والجميل: الابتسامة الصادقة، الكلمة الطيبة، والجمعة التي تُبنى على المودة لا على التفاخر. لنحتفل باعتدال، لنحمي ما تبقى من بساطتنا، ولنعيد للفرح قدسيته التي ضاعت بين لمعان “البهرجة” وعتمة الهدر.فالسعادة لا تُشترى بالدرهم، بل تُعاش بالرضا؛ والبساطة ستبقى دائماً هي القمة التي لا يدركها إلا الأنقياء.



