لصوص الضوء عندما يُغتال النبل في “سوق الأقنعة” الاستهلال

بقلم : ديمة الشريف – السعودية
خلق الإنسان وفي تكوينه جبلّة تميل إلى النور، بوصلة فطرية تتجه تلقائياً نحو مرافئ الألم لتمسح دمعةً أو تسدّ خلة.
هذا “الرنين العاطفي” هو ما أبقى البشرية متماسكة عبر العصور؛ فالمشاركة الوجدانية ليست مجرد شعور، بل هي العروة الوثقى التي تمنع المجتمعات من التفكك أمام رياح الأزمات. ولكن، ومع انتقال حياتنا إلى الفضاء الرقمي، تحوّل هذا النبل الصافي إلى “عملة” يسعى لصوص العصر إلى تزييفها.
فصل: المأساة كمنتج استهلاكي
في دهاليز “الحسابات الوهمية”، لم يعد الألم إنسانياً بحتاً، بل أصبح “مادة خام” تُصاغ في قوالب درامية مدروسة. إن ما تفعله هذه الحسابات هو أشرس أنواع السرقة؛ فهي لا تسرق المال فحسب، بل تسرق “المعنى”.
عندما يُنسج سيناريو وهمي حول طفل جائع أو أرملة مكلومة، فإن المحتال هنا لا يبيع قصة، بل يبيع “صك غفران” وهمي للمتبرع، مستغلاً حاجة الإنسان الفطرية للشعور بأنه “شخص جيد”.إننا أمام “سوق سوداء” للمشاعر، حيث تُعرض الدموع المزيفة في واجهات الحسابات، وتُقاس قوة التأثير بعدد “الإعجابات” و”المشاركات”، مما يحول العمل الإنساني من قيمة أخلاقية سامية إلى ممارسة استهلاكية تخضع لقوانين العرض والطلب الرقمي.
فصل: اغتيال الثقة.. الضريبة الباهظة
الخطر الأكبر في “التعاطف الوهمي” ليس في ضياع بضعة دراهم في يد مخادع، بل في “الصدأ” الذي يصيب القلوب بعد اكتشاف الخديعة. عندما يكتشف المرء أن دموعه التي سكبها خلف الشاشة كانت موجهة لسراب، ينمو في داخله جدار من الريبة.
هذه الريبة هي الرصاصة التي تقتل المحتاج الحقيقي الذي يقبع خلف الشاشة في مكان ما، بانتظار يدٍ لم تعد تمتد خوفاً من الخديعة.
هذا “الجفاف العاطفي” هو ما يسعى إليه لصوص الضوء؛ فهم يحولون المجتمع من جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد، إلى جزر معزولة من الشك، حيث يُنظر إلى كل نداء استغاثة على أنه “مشروع احتيال” حتى يثبت العكس.
فصل: فلسفة الحذر
كيف ينجو النبل؟
إن الدعوة إلى الوعي والحذر ليست دعوة للتحجر أو لغلق أبواب العطاء، بل هي دعوة “لأنسنة العقل” كما أُنسنت القلوب.
الحكمة هي الغطاء الشرعي للعاطفة؛ فالعطاء بلا تبصر هو تبديد للخير، والتعاطف بلا وعي هو وقود لمحركات الزيف.
علينا أن ندرك أن “النبل الرقمي” يتطلب شجاعة من نوع خاص؛ شجاعة التساؤل والتحقق.
إن المؤسسات الرسمية والمنصات الموثوقة ليست مجرد قنوات إدارية، بل هي “صمامات أمان” تحفظ لماء الوجه كرامته، وليد المعطي طهرها، وللمحتاج الحقيقي حقه الذي كاد يسرقه المتسلقون على أكتاف المآسي.
حراسة الفطرة
سيبقى الإنسان كائناً رهيفاً، وستظل قلوبنا تنبض بالرحمة كلما رأت أنيناً، فهذه خصيصة إلهية لا تموت. لكن في “سوق الأقنعة” الكبير، وجب علينا أن نكون حراساً على هذه الفطرة.
إن إغلاق الباب في وجه الحسابات المزيفة هو في حقيقته “فعل خير” لا يقل أهمية عن التبرع نفسه؛ لأنه يحمي قدسية العطاء، ويضمن أن يظل النور متاحاً لمن يستحقه فعلاً، لا لمن يجيد تمثيله.



