أزمة الأحزاب في المغرب: سقوط الفكرة وصعود المصلحة

بقلم: الحسن سنداني
إذا تجاوزنا الضجيج الانتخابي والشعارات المستهلكة والخطابات المعلبة، سنجد أنفسنا أمام إشكال حقيقي:
هل المواطن المغربي حين ينخرط في حزب سياسي يفعل ذلك عن اقتناع فكري وإيديولوجي؟
أم أن الأحزاب نفسها لم تعد تؤمن أصلًا بإيديولوجياتها كما كانت في السابق؟
في التجارب السياسية الكلاسيكية، كان الانتماء الحزبي يُبنى على تصورات واضحة: هناك من يؤمن بالاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وهناك من يدافع عن الليبرالية واقتصاد السوق، وهناك من ينطلق من المرجعية المحافظة أو القومية أو الإسلامية…
أي أن المواطن كان يختار الحزب لأنه يرى فيه امتدادًا لقناعاته الفكرية والاجتماعية.
أما اليوم، فالمشهد المغربي أصبح أكثر ضبابية وتعقيدًا.
فالكثير من الأحزاب التي تختلف “نظريًا” في المرجعيات، نجدها عمليًا تلتقي في الخطاب والممارسة والتحالفات وحتى في البرامج، لدرجة أن المواطن البسيط أصبح عاجزًا عن التمييز: من اليساري؟
ومن الليبرالي؟
ومن المحافظ؟
ومن الذي يدافع فعلًا عن الفقراء أو الطبقة الوسطى أو الشباب؟
بل الأخطر من ذلك، أن الانتماء الحزبي عند فئة واسعة لم يعد مرتبطًا بالفكرة، بل أصبح مرتبطًا بـ:
النفوذ
المصالح
التزكية الانتخابية
العلاقات
البحث عن موقع أو امتياز
أو مجرد وسيلة للصعود الاجتماعي والسياسي
ولهذا نرى أشخاصًا ينتقلون بين أحزاب متناقضة إيديولوجيًا دون أي حرج، وكأن الأمر يتعلق بتغيير قميص لا بتغيير قناعة.
السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: “ما هي إيديولوجيات الأحزاب المغربية؟”
بل: هل ما تزال الأحزاب المغربية نفسها تؤمن أصلًا بالإيديولوجيا؟
أم أننا دخلنا مرحلة “السياسة بلا هوية”، حيث أصبحت البراغماتية والمصلحة الانتخابية أهم من المشروع الفكري؟
وهنا تظهر أزمة أخرى أخطر: حين تغيب الهوية الفكرية الواضحة، يتحول المواطن إلى ناخب موسمي لا إلى فاعل سياسي واعٍ، وتتحول الأحزاب إلى آلات انتخابية أكثر منها مدارس للتأطير والتكوين وصناعة النخب.
لهذا أصبح الكثير من المغاربة لا يصوتون بناءً على البرامج أو المرجعيات، بل بناءً على:
الشخص
القرابة
الخدمات
المال
الانتماء القبلي أو المحلي
أو فقدان الثقة الكامل في الجميع
وفي النهاية، تبقى الديمقراطية الحقيقية غير مرتبطة فقط بكثرة الأحزاب، بل بوضوح أفكارها وصدق مواقفها وقدرتها على صناعة مواطن واعٍ لا مجرد “كتلة انتخابية”. الحسن سنداني



