
من المؤسف أن بعض المواد الإعلامية تختار أحيانا اختزال الحياة الداخلية للأحزاب السياسية في قراءات رقمية سطحية، تقوم على تعداد الحضور والغياب، وتبني عليها استنتاجات سياسية جاهزة لا تعكس حقيقة الدينامية التنظيمية ولا تعقيداتها.

فالأحزاب السياسية، بطبيعتها، ليست كيانات جامدة تخضع لحضور كلي دائم، بل فضاءات عمل مفتوحة تتقاطع فيها الالتزامات السياسية والمؤسساتية والشخصية، وهو ما يجعل الغياب عن نشاط معين أمرا عاديا لا يمكن تحميله أكثر مما يحتمل، فضلا عن تحويله إلى مؤشر على “مقاطعة” أو “غضب” أو “اصطفافات داخلية” دون معطيات مؤكدة.
إن منهجية البناء على “مصادر” غير مسمّاة، وتضخيم دلالات غياب بعض الأعضاء، ثم ربطها بخلاصات سياسية واسعة، تطرح إشكالا مهنيا واضحا، لأن ذلك ينقل النقاش من التحليل إلى التأويل، ومن الوقائع إلى الانطباع، وهو ما لا يخدم لا المصداقية الإعلامية ولا النقاش العمومي الرصين.
كما أن اختزال نشاط حزبي في لحظة واحدة، دون استحضار السياق العام لمسار الحزب، وبدون الأخذ بعين الاعتبار التزامات أعضائه المختلفة، يؤدي إلى صورة غير مكتملة، بل وقد تكون مضللة للرأي العام.
وفي هذا الإطار، فإن حضور أو غياب هذا العضو أو ذاك لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن السياق التنظيمي العام، ولا يمكن أن يتحول إلى مدخل لبناء رواية عن “أزمة داخلية” ما لم تصدر معطيات رسمية واضحة من داخل مؤسسات الحزب.
الأحزاب السياسية تُقاس بمساراتها ومؤسساتها وقراراتها الكبرى، لا بلحظة ظرفية أو نشاط واحد، كما أن النقاش حول الاستعدادات الانتخابية أو تدبير التزكيات يظل نقاشا داخليا مؤسساتيا، لا يُبنى على التسريبات أو التأويلات.
إن المطلوب اليوم هو ترسيخ قدر أكبر من الدقة في تناول الشأن الحزبي، والابتعاد عن منطق الإثارة السريعة، لأن ذلك يسيء إلى العمل السياسي كما يسيء إلى الممارسة الإعلامية في آن واحد.



