
الجيوسياسية الجديدة للجالية المغربية وقوتها الإفريقية في القرن الحادي والعشرين
«لقد نبه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بنفسه إلى مخاطر مغرب يسير بسرعتين، تطبعه الفوارق الاجتماعية والمجالية. ويمكن لهذا التأمل أن يطرح اليوم أيضاً إشكالية المشاركة الكاملة للجالية المغربية في الحياة المؤسساتية للمملكة.»
يشهد المغرب اليوم مرحلة مفصلية في تاريخه المعاصر. ففي وقت يُعاد فيه تشكيل النظام العالمي تحت تأثير التوترات الجيوسياسية، والأزمات الطاقية والمناخية والهجرات الدولية، يبرز المغرب باعتباره أحد الدول الإفريقية والمتوسطية القليلة التي استطاعت بناء رؤية استراتيجية بعيدة المدى، قائمة على الاستقرار السياسي، والانفتاح الاقتصادي، والاندماج الإفريقي، والدبلوماسية متعددة الأطراف.

أستاذ التعليم العالي سابقاً ومدير البحث العلمي السابق بـ ISCAE
وأستاذ زائر سابق بجامعة Georgetown University
وفي كتابنا الجماعي الموسوم بـ«إفريقيا–المغرب والنظام العالمي الجديد»، والمنشور في إطار المنتدى السنوي لـ Institut Marocain des Relations Internationales، حاولنا أن نبرهن على أن المغرب لم يعد مجرد دولة تتلقى تحولات العالم، بل أصبح يسعى إلى استباقها وتحويلها إلى فرص جيوسياسية وصناعية وحضارية.
وترتكز هذه الطموحات على قناعة جوهرية مفادها أن الدول التي سيكون لها وزن في العالم متعدد الأقطاب الناشئ هي تلك القادرة على الجمع بين:
• القوة الاقتصادية،
• والتماسك الاجتماعي،
• والابتكار التكنولوجي،
• والنفوذ الثقافي.
ومنذ أكثر من عقدين، وتحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك Mohammed VI، انخرط المغرب في سلسلة من الإصلاحات الهيكلية التي مكنته من تعزيز مناعته الداخلية وتحسين موقعه الدولي. فقد تحول تدريجياً إلى منصة صناعية ولوجستية تربط بين أوروبا وإفريقيا والعالم الأطلسي.
ويشهد على هذه التحولات العميقة النمو اللافت لقطاعات:
• صناعة السيارات،
• والطيران،
• والطاقات المتجددة،
• والبنيات التحتية المينائية والسككية.
وكما أكد جلالة الملك في العديد من خطاباته الاستراتيجية، فإن المغرب لا يمكنه أن يستمر بسرعتين:
• تحديث اقتصادي متسارع،
• مقابل إدماج سياسي وديمقراطي غير مكتمل لبعض مكونات الأمة، وخاصة الجالية المغربية بالخارج ومزدوجي الجنسية المغاربة الأوروبيين والأمريكيين، المعروفين بـ«مغاربة العالم» أو «RIME».
ويجسد ميناء Tanger Med، الذي أصبح أحد أكبر المراكز البحرية في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، هذه الاستراتيجية القائمة على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. فالمغرب لم يعد يكتفي بتصدير المواد الأولية، بل أصبح يصدر الكفاءات الصناعية والتكنولوجيات والخدمات ذات القيمة المضافة العالية. وتشكل هذه النقلة النوعية أحد أهم ركائز إشعاعه الدولي.
وقد طور المغرب، بالتوازي مع ذلك، دبلوماسية إفريقية نشطة تقوم على التعاون جنوب–جنوب. وكان عودته إلى African Union سنة 2017 محطة حاسمة في هذا التوجه الاستراتيجي. إذ يستثمر المغرب بقوة في القطاعات البنكية والفلاحية والطاقية والاتصالات في عدد من الدول الإفريقية، مع تبني رؤية تضامنية للتنمية القارية.
ولا تقتصر هذه السياسة الإفريقية على الاعتبارات الاقتصادية فقط، بل تعكس رؤية جيوسياسية شاملة. ففي عالم يشهد تنافساً متزايداً بين القوى الكبرى، أصبحت إفريقيا أحد أهم فضاءات إعادة تشكيل النظام العالمي القادم. ومن هنا يسعى المغرب إلى لعب دور قوة توازن قادرة على الحوار مع الغرب، ودول BRICS، ودول الخليج، والدول الإفريقية، دون انغلاق إيديولوجي أو اصطفاف جامد.
إن صعود «الجنوب العالمي» يعيد رسم موازين القوى الدولية الموروثة عن مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فالتوترات بين الولايات المتحدة والصين، والحرب في أوكرانيا، والأزمات الطاقية والغذائية والمناخية، كلها عوامل تسرع من تفكك النظام العالمي التقليدي. وفي هذا السياق، يعتمد المغرب دبلوماسية البراغماتية و«الوسطية الاستراتيجية» القائمة على تنويع الشراكات والدفاع عن مصالحه الحيوية.¹
وتفسر هذه القدرة على التكيف جانباً من المصداقية المتزايدة للمملكة على الساحة الدولية. فالمغرب يُنظر إليه اليوم كعامل استقرار في منطقة تعاني من اضطرابات الساحل، والتوترات المتوسطية، والأزمات المرتبطة بالهجرة. كما أن خبرته في مكافحة الإرهاب، والتعاون الأمني، وتدبير تدفقات الهجرة تعزز مكانته الإقليمية.
غير أن التحديات لا تزال كبيرة.
أولاً: تحدي السيادة الاقتصادية والتكنولوجية
إن عالم الغد سيكون خاضعاً للدول القادرة على التحكم في:
• التكنولوجيا الرقمية،
• والذكاء الاصطناعي،
• والأمن السيبراني،
• والتحولات الطاقية.
ومن ثم، فإن المغرب مطالب بتسريع الاستثمار في:
• البحث العلمي،
• والابتكار،
• وتكوين الرأسمال البشري،
تفادياً لأي تبعية تكنولوجية جديدة.
ثانياً: التحدي الاجتماعي
رغم التقدم الاقتصادي، ما تزال:
• الفوارق المجالية،
• وبطالة الشباب،
• واختلالات المنظومة التعليمية،
• وضعف القدرة الشرائية،
تمثل قضايا مركزية.
فنجاح النموذج المغربي رهين بقدرته على بناء نمو شامل يضمن:
• توزيعاً أكثر عدلاً للثروة،
• وتعزيزاً للطبقات الوسطى،
• وترسيخاً للعدالة الاجتماعية.
ثالثاً: التحدي البيئي والمائي
أصبح الإجهاد المائي اليوم تهديداً استراتيجياً للفضاء المتوسطي والإفريقي بأكمله. ومن خلال تطوير:
• الطاقات المتجددة،
• وتحلية مياه البحر،
• والسياسات البيئية،
يحاول المغرب استباق آثار التغير المناخي.
ويشكل مجمع Noor Ouarzazate Solar Complex نموذجاً لهذه الإرادة الرامية إلى جعل المغرب رائداً إفريقياً في الانتقال الطاقي.
الجالية المغربية بالخارج: قوة استراتيجية غير مستثمرة بالكامل
في خضم هذه التحولات، تشكل الجالية المغربية بالخارج ومزدوجو الجنسية رصيداً استراتيجياً بالغ الأهمية. فبفضل ملايين المغاربة المقيمين بالخارج، يمتلك المغرب رأسمالاً بشرياً واقتصادياً وثقافياً هائلاً.²
فالكفاءات المغربية المنتشرة في:
• أوروبا،
• وأمريكا الشمالية،
• ودول الخليج،
• وإفريقيا،
تمثل رافعة أساسية لنقل التكنولوجيا، والاستثمارات، والخبرات، والنفوذ الدولي.
كما تلعب الأجيال الجديدة من مزدوجي الجنسية دور الجسر بين:
• الحضارات،
• والاقتصادات،
• والفضاءات الجيوسياسية.
وفي عالم يشهد عودة:
• الذاكرات الإمبراطورية،
• والنزعات القومية،
• والتوترات الثقافية،
أصبحت الجاليات فاعلاً مركزياً في الحوار بين الثقافات ودبلوماسية الشعوب.
ويتمتع المغرب هنا بميزة مقارنة فريدة، بفضل هويته المتعددة:
• الإفريقية،
• والعربية،
• والأمازيغية،
• والمتوسطية،
• والأوروبية.
وهذا التنوع يشكل «قوة ناعمة» حقيقية في العلاقات الدولية المعاصرة.³
مفارقات المغرب ذي السرعتين
غير أن هذا الواقع يخلق مفارقات دستورية وسياسية عميقة بالنسبة لمزدوجي الجنسية.
- دستور بسرعتين
رغم أن دستور 2011 يضمن المساواة في الحقوق السياسية بين المغاربة داخل الوطن وخارجه، فإن التطبيق العملي يسير بسرعتين:
• دستور إعلاني من جهة،
• ودستور غير تنفيذي من جهة أخرى.
فمن غير المقبول استمرار إقصاء أكثر من سبعة ملايين مواطن من الممارسة الفعلية لحقوقهم:
• الدستورية،
• والسياسية،
• والمدنية،
• والديمقراطية.
كما أن المناصب الوزارية تبدو أحياناً وكأنها حكراً على نخب عائلية وسياسية تقليدية، في حين لا يوجد أي وزير يمثل فعلياً جالية تضم ملايين المواطنين بالخارج.
إنه «مغرب يانوسي» بوجهين متناقضين. - ديمقراطية بسرعتين
تبدو الديمقراطية المغربية وكأنها تمارس بمنطقين:
• ديمقراطية كاملة للمقيمين داخل الوطن،
• وديمقراطية ناقصة للجالية بالخارج.
فمغاربة العالم لا يتمتعون فعلياً بحق:
• الانتخاب،
• أو الترشح،
من بلدان إقامتهم، رغم وضوح الفصول 17 و18 و30 من دستور 2011.
فالمواطنة يجب أن ترتبط بالجنسية، لا بمكان الإقامة. - مساهمة اقتصادية دون تمثيلية سياسية
تحول الجالية المغربية سنوياً ما يقارب 124 مليار درهم من العملة الصعبة، دون أن يقابل ذلك:
• تمثيل برلماني حقيقي،
• أو مشاركة حكومية،
• أو حضور سياسي فعلي.
ويؤكد الاقتصاديان Pr Daron Acemoglu وJames A. Robinson، في أبحاثهما حول فشل الأمم، أن:
«إقصاء النخب والكفاءات من المؤسسات السياسية يضعف دولة القانون ويعطل التنمية الديمقراطية.»
كما تشير أبحاثهما إلى أن عدم إدماج الجاليات والكفاءات الخارجية قد يكلف الاقتصاد ما بين 2 و3.5% من الناتج الداخلي الخام سنوياً.⁴ - الرياضة والاعتراف الناقص بالكفاءات الثنائية
لقد اعتمد الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي في 2022 FIFA World Cup بشكل كبير على لاعبين ومدربين مزدوجي الجنسية، تكونوا في المدارس الأوروبية.
ومع ذلك، فإن هذا النجاح الرياضي لم يواكبه:
• إدماج مؤسساتي،
• أو تمثيل سياسي،
• أو استثمار استراتيجي كامل للكفاءات الثنائية.
إنه المغرب ذو الصورتين المتعاكستين:
• الاستفادة من الكفاءات،
• دون الاعتراف الكامل بها.
المغرب بين التحديث الاقتصادي والتحديث الديمقراطي
إن المغرب يبني اليوم مشاريعه الكبرى اعتماداً على:
• خبرات دولية،
• وكفاءات الجالية،
• ومكاتب استشارية عالمية،
في حين ما تزال النخب السياسية التقليدية تواجه صعوبة في تمثيل المغرب الحقيقي، داخل الوطن وخارجه.
ولهذا فإن التحدي الأساسي للمغرب المعاصر لم يعد فقط:
• بناء البنيات التحتية،
• أو جذب الاستثمارات،
بل أصبح يتمثل في: بناء دولة حديثة منسجمة تجمع بين التنمية الاقتصادية، والديمقراطية الفعلية، والإدماج الكامل للرأسمال البشري المغربي أينما وجد.
خاتمة
إن المغرب يتوفر اليوم على جميع المقومات ليصبح قوة أوروأفريقية مؤثرة في العالم متعدد الأقطاب:
• الاستقرار المؤسساتي،
• العمق الإفريقي،
• الموقع الجغرافي،
• الانفتاح الدولي،
• والطاقات البشرية العالمية.
غير أن نجاح هذا المشروع التاريخي يظل رهيناً بقدرته على:
• إدماج كفاءات الجالية،
• وتحديث الحكامة السياسية،
• وتحويل التعددية المغربية إلى قوة جماعية شاملة.
فالمغرب لا يمكن أن يحقق إشعاعاً دائماً إلا إذا استطاع التوفيق بين:
• التنمية الاقتصادية،
• والقوة الدبلوماسية،
• والتماسك الديمقراطي والإنساني.
وعندها فقط، سيكون قادراً على أن يصبح ليس فقط قوة إقليمية مؤثرة، بل أيضاً قوة أوروأفريقية حقيقية في القرن الحادي والعشرين.الهوامش والمراجع - انتهج الملك محمد السادس منذ سنة 1999 استراتيجية تقوم على التحديث الاقتصادي والانفتاح الإفريقي، وهو ما أعاد تشكيل الموقع الجيوسياسي للمملكة.
- تمثل الجالية المغربية بالخارج رافعة استراتيجية للاستثمارات، وتحويلات الكفاءات، والإشعاع الثقافي للمغرب.
- أصبحت مفاهيم «القوة الناعمة» والدبلوماسية الثقافية عناصر أساسية في أشكال النفوذ الدولي الجديدة.
- Why Nations Fail – تؤكد الأبحاث أن المؤسسات الإقصائية تعرقل التنمية الديمقراطية والاقتصادية المستدامة.
- Political Order in Changing Societies – التحديث الاقتصادي بدون مؤسسات ديمقراطية يولد عدم الاستقرار السياسي.
- Political Order and Political Decay – الدول الريعية تميل إلى إنتاج مؤسسات ضعيفة وهشة.
- The Rentier State – نظرية الدولة الريعية في العالم العربي.
- The Arab State – الريع النفطي يحد من الضغط الديمقراطي داخل الأنظمة السياسية.


