عندما تفشل لجان تقصي الحقائق… من يحاسب ومن يدفع الثمن؟

مرة أخرى، يجد المواطن المغربي نفسه أمام مشهد سياسي يثير الكثير من علامات الاستفهام. فشل محاولة جمع 40 توقيعاً برلمانياً لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول صفقات استيراد الأغنام والدعم العمومي المرتبط بها، والتي أثارت جدلاً واسعاً في الرأي العام، لا يمكن اعتباره مجرد تعثر إجرائي أو اختلاف في وجهات النظر السياسية، بل هو حدث يعكس أزمة أعمق تتعلق بأدوار المؤسسات التمثيلية ومدى قدرتها على مراقبة المال العام والدفاع عن مصالح المواطنين.
بحسب المعطيات المتداولة، فإن المبادرة اصطدمت برفض عدد من البرلمانيين التوقيع على الطلب، في ظل حديث عن توافقات مسبقة بين ممثلي القطاع المعني. وبغض النظر عن صحة هذه الروايات من عدمها، فإن النتيجة كانت واحدة: إسقاط لجنة كان من المفترض أن تقدم للرأي العام أجوبة واضحة حول كيفية تدبير هذه الملفات وحجم الاستفادة منها ومدى انعكاسها على أسعار الأضاحي واللحوم وقدرة المواطنين الشرائية.
هذا المشهد يعيد إلى الأذهان ملفات أخرى لم يكتب لها أن ترى طريقها إلى التحقيق البرلماني الكامل، وعلى رأسها ملف المحروقات الذي ظل لسنوات موضوع نقاش سياسي وإعلامي واسع دون أن يصل المواطن إلى إجابات شافية حول مختلف جوانبه. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل أصبحت بعض الملفات الكبرى عصية على المساءلة السياسية رغم تأثيرها المباشر على الحياة اليومية للمغاربة؟
إن وظيفة البرلمان لا تقتصر على التصويت على القوانين أو مناقشة مشاريع الميزانية، بل تشمل أيضاً ممارسة الرقابة على العمل الحكومي وحماية المال العام عبر الآليات الدستورية المتاحة، ومنها لجان تقصي الحقائق. وعندما تتعطل هذه الآليات في الملفات الأكثر حساسية، فإن ذلك يضعف ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة ويعزز الشعور بأن مصالحهم ليست دائماً في صدارة الأولويات.
غير أن تحميل المسؤولية للبرلمانيين وحدهم قد يكون تبسيطاً للمشهد. فجزء من الإشكال يرتبط كذلك بطريقة تشكل النخب المنتخبة نفسها. ففي كل استحقاق انتخابي تتكرر الأسئلة ذاتها: هل يصوت المواطن على أساس البرامج والكفاءة والنزاهة؟ أم أن الاعتبارات العائلية والقبلية والحزبية الضيقة والقدرة المالية ما تزال تلعب دوراً حاسماً في تحديد الفائزين؟
الواقع أن عدداً من الناخبين ما زالوا يمنحون أصواتهم بناء على الولاءات الشخصية أو الوعود الانتخابية المؤقتة أو النفوذ الاجتماعي لبعض المرشحين، دون إخضاعهم لمعيار المحاسبة أو تقييم حصيلتهم السابقة. وعندما يصل إلى المؤسسات التمثيلية أشخاص يفتقدون الجرأة السياسية أو الاستقلالية في اتخاذ القرار، تصبح الرقابة البرلمانية أضعف، وتضيع معها فرص كشف الحقيقة في ملفات تهم ملايين المواطنين.
إن الديمقراطية ليست مجرد عملية تصويت تتم كل بضع سنوات، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من حسن الاختيار وتنتهي بالمحاسبة المستمرة. فالمواطن الذي يمنح صوته دون تدقيق في الكفاءة والمصداقية قد يساهم، من حيث لا يدري، في إنتاج نفس النخب التي يعترض لاحقاً على أدائها.
اليوم، وبعد تعثر هذه المبادرة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستظل ملفات الدعم والاحتكار والأسعار الكبرى بعيدة عن المساءلة الفعلية؟ أم أن ضغط الرأي العام ووسائل الإعلام والمجتمع المدني سيدفع مستقبلاً نحو مزيد من الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة؟
ما حدث لا يتعلق فقط بلجنة لم تر النور، بل يتعلق بصورة المؤسسة التشريعية في أعين المواطنين. فكلما تعثرت آليات الرقابة في القضايا الحساسة، اتسعت فجوة الثقة بين الناخب ومن انتخبهم لتمثيله. وحين تتراجعس الثقة، تصبح الديمقراطية نفسها في حاجة إلى مراجعة عميقة تعيد الاعتبار للكفاءة والنزاهة والمصلحة العامة قبل أي اعتبار آخر.
الحسن سنداني



