أخبارثقافة و فنجهات المملكة

أي فعل..لأي مسرح عربي منشود؟

لقد حاولت أكثر من مرة أن أغلب التفاؤل على القلق، وأن أؤجل البوح بما يعتمل في داخلي، حتى لا يُفهم النقد على أنه تشاؤم، أو يُحسب التأمل موقفًا شخصيًا. غير أن الصمت، حين يطول، قد يتحول إلى شريك في تكريس الأعطاب. وقد ازداد هذا الشعور رسوخًا عندما وقعت عيناي على منشور مصممة الديكور والسينوغرافيا اللبنانية الرائدة شادية زيتون دوغان -هندسة داخلية مصمم سينوغرافيا- عندها غص القلب بسؤال لا يزال معلقًا: كيف يمكن لحراك مسرحي يطمح إلى التطور أن يمر بمحاذاة قامات علمية وفنية بهذا الوزن، ثم لا يجعل من خبراتها رافعة لمشروعه؟ وكيف تُهدر المعرفة، وهي أغلى رأسمال تمتلكه الأمم؟.

بقلم: القبطان عبدالله دكدوك
عندما تُطرح الاستفهامات حول المسرح الجامعي العربي، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو السؤال الجوهري: أين الخلل؟ نعم، قد نتعجب، لكن حين نتعمق في التأمل، تتكشف لنا حقيقة لا يمكن القفز عليها. فالخلل ليس في الخشبة، ولا في النص، ولا في الممثل وحده، وإنما في منظومة اختارت أن تعيد إنتاج نفسها، وأن تدور في الحلقة ذاتها، بينما العالم من حولها يغير مفاهيمه وأدواته ورؤاه.

لا أكتب هذا من باب التحامل على أحد، ولا رغبة في تصفية حسابات، وإنما من باب التأمل في واقع بات يفرض أسئلته بإلحاح. فالحقيقة، وإن كانت مرة، تظل أقل قسوة من الاستمرار في تجميل الإخفاق. حين تتكرر الوجوه نفسها، وتُدار المؤسسات بالعقليات ذاتها، وتُستنسخ الاستراتيجيات نفسها، بينما العالم يتطور بوتيرة متسارعة، يصبح الركود نتيجة طبيعية لا استثناء. والأشد إيلامًا أن تُقصى القامات الفكرية والإبداعية، وتُهمل مقترحاتها الجادة، وكأن التجديد أصبح تهمة، لا فرصة للنهوض.

إن الأزمة، في تقديري، ليست أزمة إمكانات، بل أزمة عقل يدير الإمكانات. فعندما تتحول الملتقيات والمهرجانات المسرحية الكبرى إلى فضاءات للاحتفاء بالمظاهر أكثر من انشغالها بصناعة الأثر، وإلى محافل للبهرجة، والمجاملات، والتقاط الصور، أكثر من كونها مختبرات للأسئلة الفكرية والجمالية، فإننا لا نبني مشروعًا مسرحيًا، بل نعيد إنتاج المشهد نفسه بأسماء وتواريخ مختلفة.

المسرح الجامعي لا يحتاج إلى احتفالات موسمية بقدر حاجته إلى رؤية نقدية، وإلى إرادة حقيقية تعيد بناء مشروعه الثقافي. أما إذا ظل كل موعد، مهما حسنت النيات، مناسبةً للتباهي، والتقاط الصور، ثم ينفض الجمع في انتظار موعد آخر، فلن نجني إلا مزيدًا من الدوران في المكان. فالنهضة لا تتحقق بتكرار الوجوه، ولا بتقديس المألوف، وإنما بفسح المجال للأفكار الجديدة، والاعتراف بالكفاءات، والإنصات إلى الخبرات، وإعادة النظر في الآليات التي استنفدت قدرتها على الإبداع.

إن من صنعوا نكسات المسرح ليسوا المسرحيين الحقيقيين، بل أولئك الذين صادروا روح المبادرة، وأقصوا أهل الاختصاص، وقدموا الولاء على الكفاءة، وحولوا المؤسسات إلى فضاءات مغلقة تعيد إنتاج اختياراتها نفسها. ومن يزرع الإهمال لا يمكن أن يحصد الإبداع، ومن يقتل روح المسرح لا ينتظر منه أن يصنع نهضة.

لهذا، لم يعد السؤال: كم مهرجانًا نظمنا؟ ولا كم صورة التقطنا؟ ولا كم بيانًا أصدرنا؟ بل السؤال الذي ينبغي أن يؤرق الجميع هو: ماذا أضفنا إلى الفكر المسرحي العربي؟ وما الأثر الذي سيبقى بعد انطفاء الأضواء وانفضاض القاعات؟
فالمسرح فعل حضاري قبل أن يكون احتفالًا، ومشروع وعي قبل أن يكون مناسبة. وما لم تنتقل مؤسساته من منطق التكرار إلى منطق التحول، ومن إدارة الحدث إلى صناعة الرؤية، ومن ثقافة الاستعراض إلى ثقافة الإنجاز، سيظل السؤال معلقًا، بل أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: أيُّ فعلٍ… لأيِّ مسرحٍ عربيٍّ منشود؟

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button