التصوف في الرؤية الأوروبية.. مارتن لينجز واكتشاف البعد الروحي للإسلام

ألمانيا – منير لكماني
ظل التصوف، لقرون طويلة، من أكثر المفاهيم الإسلامية تعرضا لسوء الفهم في أوروبا. فقد اختزلته بعض الدراسات الاستشراقية في كونه نزعة غامضة أو فلسفة باطنية منفصلة عن الإسلام، بينما رآه آخرون مجموعة من الممارسات العاطفية أو التجارب الفردية التي لا صلة لها بالقرآن والسنة. غير أن عددا من المفكرين الأوروبيين الذين اقتربوا من الإسلام من الداخل أعادوا النظر في هذه الصورة، وكان من أبرزهم مارتن لينجز، الذي خصص كتابه «ما هو التصوف؟» لتقديم فهم أصيل للتصوف بوصفه قلب الإسلام وروحه، لا تيارا منفصلا عنه.
ينطلق لينجز من سؤال بسيط في ظاهره، لكنه عميق في دلالته: ما التصوف؟ ويلاحظ منذ مقدمة كتابه أن الإهتمام الغربي المتزايد بالتصوف ترافق مع انتشار تعريفات مضللة، لذلك سعى إلى تقديم مدخل يلتزم بالحقيقة دون تبسيط مخل. ويرى أن التصوف لا يخاطب الفضول الفكري، بل يفترض وجود توق صادق إلى المعرفة الروحية، لأن غايته ليست جمع المعلومات، وإنما الوصول إلى إدراك مباشر للحقائق الإلهية. ولهذا يستشهد بتعريف صوفي قديم يقول: «التصوف ذوق»، أي إن حقائقه لا تدرك بالوصف وحده، بل بالتجربة الروحية الحية.
ولكي يشرح حقيقة التصوف، يستخدم لينجز صورة رمزية بديعة أصبحت من أشهر ما ورد في كتابه. فهو يشبه الوحي الإلهي بموجة عظيمة تنبع من محيط الحقيقة الإلهية، ثم تصل إلى عالم الإنسان، بينما يكون التصوف هو العلم والطريق والإنضباط الذي يمكن الإنسان من الإندماج في انحسار تلك الموجة حتى يعود معها إلى مصدرها الأزلي. وبهذا التصوير يخرج التصوف من دائرة الغموض إلى دائرة المعنى؛ فهو ليس هروبا من العالم، بل عودة واعية إلى الله عبر الوحي نفسه، لا خارجه.
ويؤكد لينجز أن هذه العودة لا يمكن أن تتم بمعزل عن الإسلام، لأن التصوف في نظره هو «التصوف الإسلامي»، أي التيار الباطني للوحي الإسلامي. لذلك يرفض التصورات التي تفصل التصوف عن الدين أو تزعم أنه روحانية عالمية مستقلة عن الشرائع، ويرى أن مثل هذا الفهم يفقد التصوف أصالته وقوته، لأن النهر لا يبقى نهرا إذا انقطع عن منبعه. ومن هنا يقرر أن التصوف يعتمد إعتمادا كليا على القرآن الكريم والسنة النبوية، وأن كل ما اكتسبه عبر التاريخ من مصطلحات أو أساليب لم يمس جوهره الإسلامي.
ومن الأفكار المركزية في رؤية مارتن لينجز أن التصوف يبدأ من القلب. فالقلب، في التصور الصوفي، ليس مجرد موضع للعاطفة، بل هو مركز المعرفة الروحية في الإنسان، والمحل الذي يتلقى أنوار الهداية. غير أن هذا القلب قد تحجبه الغفلة والشهوات والأنانية، فيحتاج إلى التوبة والذكر ومجاهدة النفس حتى يستعيد صفاءه. ومن هنا يغدو الذكر والصلاة وسائر العبادات وسائل لتزكية القلب وتطهيره، فلا تبقى مجرد أعمال ظاهرية، بل تتحول إلى تجربة إيمانية تحيي الروح وتقرب الإنسان من الله.
ويربط لينجز هذا الفهم بالقرآن الكريم، الذي يراه كتاب هداية قبل أن يكون كتاب أحكام. فالقرآن، في نظره، يرسم للإنسان طريق العودة إلى الله، ولذلك يولي الصوفي عناية خاصة بآيات الهداية والرجوع، مثل قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾، التي لا يراها مجرد دعاء بالإستقامة الظاهرة، وإنما طلبا دائما للسير نحو الله. وكذلك قوله تعالى: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾، الذي يعتبره خلاصة الرحلة الروحية كلها، لأن الإنسان خرج من عند الله، وإليه تكون عودته.
ومن أجل تقريب هذه الرؤية، يستعمل لينجز أيضا رمز الدائرة، حيث يمثل محيطها الشريعة، بينما يمثل مركزها الحقيقة، وتمثل الخطوط الممتدة بينهما الطرق الروحية. وتكشف هذه الصورة أن الحقيقة لا تنال بالقفز فوق الشريعة، وإنما بالسير من ظاهرها إلى باطنها. فالصلاة، في نظر الصوفي، ليست مجرد حركات، بل لقاء مع الله، والذكر ليس ترديدا للألفاظ، بل حضور دائم معه، والصيام ليس امتناعا عن الطعام فقط، بل تهذيبا للنفس وتحريرا لها من سلطان الشهوات. وهكذا يصبح الظاهر والباطن متكاملين لا متعارضين.
كما يجعل لينجز من النبي محمد ﷺ النموذج الأعلى للسالك إلى الله، فالتصوف لا يقوم على التأملات المجردة ولا على التجارب النفسية المنعزلة، وإنما على الإقتداء بالرسول في عبادته وأخلاقه ورحمته وتواضعه. لذلك يؤكد أن كل طريق روحي لا ينتهي إلى محبة النبي ﷺ وإتباع سنته يبتعد عن حقيقة التصوف الإسلامي.
لقد نجح مارتن لينجز في تقديم التصوف إلى القارئ الأوروبي بلغة فلسفية وروحية تجمع بين الدقة والوضوح، دون أن يفصله عن جذوره الإسلامية. فالتصوف، كما يصوره، ليس بحثا عن الأسرار أو الخوارق، ولا هروبا من الواقع، بل هو طريق لتزكية النفس، وإحياء القلب، وتحقيق مقام الإحسان الذي يجعل الإنسان يعبد الله كأنه يراه. ومن هنا أسهمت كتاباته في تصحيح كثير من التصورات الغربية، وقدمت التصوف بوصفه بعدا أصيلا من أبعاد الإسلام، لا يكتمل فهم الدين إلا بفهمه.



