
يعيش المشهد السياسي المغربي في كثير من المحطات على وقع تحولات مقلقة، حيث تراجعت النقاشات الجادة والبرامج التنموية القادرة على انتشال البلاد من براثن الهشاشة، الفقر، والفوارق الطبقية. وفي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن خططاً عملية وحلولاً ناجعة لأزماته اليومية، نجد أن بعض الزعماء السياسيين اختاروا الهروب إلى الأمام، مستبدلين السياسة الحقيقية بالاستعراضات الفلكلورية واللوحات الراقصة التي لا تغني ولا تسمن من جوع.
عندما يتحول العمل السياسي إلى مهرجان فولكلوري
لقد بات لافتاً كيف انزاحت بعض الأحزاب عن دورها الأساسي والدستوري المتمثل في التأطير السياسي وصياغة البدائل الاقتصادية والاجتماعية. عوضاً عن تقديم مقترحات دقيقة حول إصلاح قطاع الصحة، التعليم، وتوفير فرص الشغل للشباب، تحولت اللقاءات الحزبية إلى منصات للرقص الشعبي وإطلاق الشعارات الرنانة الفارغة من أي مضمون. هذا الانحراف يعكس عجزا صارخا في إقناع المواطنين ببرامج حقيقية، واللجوء عوضا عن ذلك إلى التخدير المؤقت عبر الفرجة الشعبية.
وهم “مول الكورة”: رهان خاسر على الرياضة
لم تقتصر هذه الشعبوية السطحية على الفولكلور فحسب، بل ذهبت بعض الأطراف الحزبية إلى أبعد من ذلك بالارتباط المفترض بما يسمى “مول الكورة”، معتقدة واهمة أن ركوب موجة كرة القدم والتقرب من رموزها يمكن أن يصنع شعبية سياسية جارفة داخل المجتمع المغربي.
هذا الاعتقاد ينم عن جهل مطبق بطبيعة الفئات الواسعة من الناخبين في المغرب، وخاصة في العالم القروي والمناطق الجبلية النائية، حيث لا تساوي كرة القدم شيئاً مقارنة بقسوة العيش اليومي.
البوادي والجبال: حيث الأولوية للعيش لا للفرجة
إن النسبة الكبرى من الناخبين والفاعلين الحقيقيين في العملية الانتخابية يتواجدون في البوادي، الهضاب، والجبال الوعرة؛ وهؤلاء لا تهمهم لا كرة القدم ولا الرياضة الجماهيرية بالشكل الذي يتصوره بعض السياسيين. وتتلخص حقيقة اهتماماتهم في النقاط التالية:
هموم العيش اليومي: ترتكز أولويات القروي على تأمين لقمة العيش، مواجهة قساوة الطبيعة والبرد القارس في الجبال، وتأمين المسالك الطرقية.
الخدمات الأساسية: الصحة، التعليم، والماء الصالح للشرب هي المطالب الملحة التي يعاني السكان من غيابها المستمر.
النظرة للرياضة: بالنسبة لسكان القرى، تظل كرة القدم مجرد لعبة بريئة للأطفال، ولا علاقة لها نهائياً باختياراتهم السياسية أو تقييمهم لمن يمثلهم في المجالس المنتخبة.
نحو صحوة سياسية حقيقية
إن محاولة الالتفاف على مشاكل المواطن الحقيقية بتقديم الرقصات أو الرهان على “مول الكورة” لن تزيد المشهد السياسي إلا عزلة وفقداناً للثقة. فالإنسان المغربي، سواء في المدينة أو البادية، بات واعيا بما فيه الكفاية ليميز بين من يقف معه في معاناته اليومية ومن يتخذ السياسة مسرحاً للضحك على الذقون.
إن الرهان الحقيقي اليوم يكمن في العودة إلى الجذور، والالتحاق بهموم المواطنين في قمم الجبال وقاع الهضاب، وتقديم برامج جريئة وجادة تنقذ البلاد والعباد من براثن الفقر والفوارق الطبقية.



