أخبارالرئيسيةرياضة

بين صخب الرباط وصمت واشنطن..ازدواجية المواقف تكشف حدود الخطاب السنغالي

في السياسة كما في الرياضة،لا تقاس المواقف بعلو الأصوات ولا بعدد البيانات الصادرة، بل بمدى الثبات على المبادئ عندما توضع على المحك.ومن هذا المنطلق تبدو المفارقة لافتة بين السلوك الذي أظهرته الجامعة السنغالية لكرة القدم خلال وجود منتخبها بالمغرب وبين موقفها الباهت إزاء ما تعرض له منتخبها من معاملة مهينة في الولايات المتحدة الأمريكية.

فحين حل المنتخب السنغالي بالمملكة المغربية،لم تتردد الجامعة السنغالية في إصدار بيانات متتالية عند كل سوء فهم أو ملاحظة تنظيمية،مظهرة حرصا بالغا على الدفاع عن كرامة منتخبها ومصالحه. أما عندما انتشرت صور وإفادات توثق إخضاع أفراد البعثة السنغالية لإجراءات اعتبرها كثيرون مهينة في أحد المطارات الأمريكية،فقد ساد صمت طويل أثار أكثر من علامة استفهام.

والأكثر إثارة للانتباه أن البيان الذي صدر لاحقا لم ينشغل بإدانة الواقعة أو المطالبة باحترام المنتخب السنغالي،بقدر ما ركز على تصحيح بعض التفاصيل المرتبطة بمكان حدوث الحادثة وتوقيتها.وكأن جوهر القضية لم يعد يتعلق بكرامة بعثة رياضية تمثل بلدا إفريقيا عريقا،بل بمجرد تحديد الموقع الجغرافي الذي وقعت فيه الواقعة.

هذه الازدواجية في التعاطي تطرح سؤالا مشروعا : هل تختلف معايير الدفاع عن الكرامة الوطنية باختلاف الجهة التي يصدر عنها الفعل؟ وهل يصبح الاحتجاج مشروعا في مواجهة بعض الدول،بينما يتحول إلى صمت وتحفظ أمام قوى دولية كبرى؟

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر عندما نستحضر ما قدمه المغرب للمنتخب السنغالي خلال مختلف التظاهرات الرياضية التي احتضنها. فقد فتحت المملكة مرافقها وإمكاناتها الرياضية واللوجستية أمام الأشقاء الأفارقة،انطلاقا من قناعة راسخة بأن الرياضة فضاء للتضامن والتعاون والاحترام المتبادل.

غير أن بعض المواقف التي صدرت لاحقا عن مسؤولين وتقنيين سنغاليين تركت لدى جزء من الرأي العام المغربي شعورا بالاستغراب خاصة عندما طغت لغة الاحتجاج والتوتر على روح الامتنان والتقدير التي يفترض أن تسود بين الأشقاء.

واليوم،تعيد الصور القادمة من الولايات المتحدة فتح النقاش حول معنى الكرامة الرياضية وحدود الخطاب الشعبوي في تدبير الأزمات. فالدفاع عن الاحترام لا ينبغي أن يكون انتقائيا ولا أن يخضع لموازين القوة والنفوذ. فالمبادئ الحقيقية تختبر عندما تكون كلفة الدفاع عنها مرتفعة لا عندما يكون الاحتجاج سهلا ومضمون النتائج.

ومن هنا،فإن الدرس الذي يمكن استخلاصه من هذه الواقعة يتجاوز المنتخب السنغالي نفسه ليشمل مختلف المؤسسات الرياضية والدبلوماسية. فالمغرب،الذي جعل من التضامن الإفريقي خيارا استراتيجيا،مطالب كذلك بحماية مصالحه وصورته واحترامه بالقدر نفسه الذي يحرص فيه على إكرام ضيوفه ومد يد التعاون إليهم.

فالكرم المغربي قيمة حضارية راسخة لا تحتاج إلى شهادة من أحد،لكنه في الوقت ذاته لا يعني التغاضي عن الإساءة أو القبول بالجحود. والاحترام الحقيقي بين الدول والمؤسسات لا يقوم على المجاملات الظرفية،بل على التقدير المتبادل والاعتراف الصادق بالمواقف النبيلة.

وفي النهاية تبقى الوقائع أبلغ من الخطابات وتبقى المواقف الثابتة أقوى من البيانات العابرة. أما الشعارات التي تتغير بتغير المكان والظروف، فإن الزمن كفيل دائما بكشف حدودها وإسقاط الأقنعة عنها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button