Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

مزرعة الكروم.. حين تأكل الثورة ابناءها

بقلم: محمد بنداحة

عند سفوح الجبال الشامخة، كانت تمتد مزرعة عنب واسعة تُعرف بـ”مزرعة الكروم الخضراء”. امتلكها إقطاعي ثري قاسٍ يدعى “دو بوا”، بعد أن اقتطع أراضي الجيران، وضمها إليه، اعتاد أن يسوم حيواناتها ألوان العذاب، فيدفعها إلى العمل من الفجر حتى المغيب، ويستأثر بثمار جهدها، بينما كانت تعيش في خوف دائم من سوطه وبطشه.

وفي ليلة داكنة، اجتمعت الحيوانات سرًّا خلف الحظيرة، بعد أن دعاها الحصان العجوز الحكيم “براق”. وقف شامخًا رغم آثار السنين، وقال بصوت هادئ نفذ إلى القلوب:

“إلى متى نبقى أسرى هذا الشقاء؟ هذه أرضنا، ونحن الذين نسقي الكروم بعرقنا، بينما يجني غيرنا الثمار. لقد خلقنا الله أحرارًا، ولا يليق بالمخلوق أن يرضى بالذل إلى الأبد.”

اشتعلت كلمات براق في النفوس، وتحولت الهمسات إلى عزيمة. وما إن أقبلت ليلة مقمرة حتى انتفضت الحيوانات، ورغم التنكيل وأشد انواع العذاب، استطاعت أن تطرد “دو بوا” من المزرعة، وأعلنت ميلاد عهد جديد يقوم على العدل والحرية في أرض الشهداء.

ولئلا يتسلل الظلم مرة أخرى، كتبت على جدار الإسطبل ثلاثة قوانين:

  • كل الحيوانات متساوية في الحقوق والواجبات.
  • لا يحق لأي حيوان أن يتشبه بالبشر أو يسكن مساكنهم.
  • العمل الشاق يُكافأ بالعدل والراحة والرضا.

وفي الأيام الأولى، بدت المزرعة وكأنها ولدت من جديد. تعاون الجميع، وتدفقت مياه جديدة، وامتلأت الكروم بعناقيد وافرة، تم تسويق جزء كبير منها ومن معصرتها، وشعرت الحيوانات لأول مرة بأن ثمرة جهدها تعود إليها.

في تلك المرحلة، كان الثعلب “الفقيه” أكثر الحيوانات نشاطًا في حل الخلافات، وأحسنها حديثًا، حتى ظن كثيرون أنه أصدقهم إخلاصًا. كان يردد:

“لن نحافظ على هذا النصر إلا إذا أحسنّا التنظيم، ووضعنا القيادة في أيدٍ تعرف كيف تدير الأمور. الوفاء للثورة يقتضي الطاعة للقيادة”.
لم يثر كلامه ريبة أحد، بل وجد فيه كثيرون صوت الحكمة.

لكن الأيام كشفت وجهًا آخر.

تحالف “الفقيه” مع كلب شرس يدعى “قايد”، وديك جهوري الصوت يدعى “صابر”. وسرعان ما احتكر الثلاثة القرار، ثم استأثروا بأفضل الطعام، وانتقلوا للإقامة في القصر الذي بناه “دوبوا” فوق التلة، وحتى الجيران لم يسلموا.

وحين تساءلت بعض الحيوانات عن سبب هذا التحول، ابتسم “الفقيه” قائلاً:

“إننا نحمل عنكم أعباء القيادة، ونضحي براحتنا من أجل أمنكم. ولو تركنا الأمر، لعاد “دوبوا” بسوطه من جديد، ونحن لسنا بمأمن من الأعداء. مزرعتنا مستهدفة. لابد أن نحافظ على وحدة الصف”

وكان “قايد” يزأر كلما ارتفع صوت معترض، بينما يتكفل “صابر” بإغراق المزرعة بخطبه الصاخبة التي تمجد القيادة وتحذر من “الأعداء”.

وهكذا، عاد الخوف يفرض صمته، ولكن هذه المرة باسم حماية الثورة وأرض الشهداء.

ومع تعاقب الفصول، ازدادت الحيوانات تعبًا وجوعًا، بينما ازداد حكامها الجدد ثراءً ونفوذًا. ولم يكتفوا بذلك، بل صاروا يعدلون القوانين المكتوبة على الجدار كلما تعارضت مع مصالحهم.

وذات مساء، تناهى إلى أسماع الحيوانات ضحك صاخب من شرفة القصر.

تسللت في صمت، ونظرت عبر النوافذ الزجاجية، فرأت “الفقيه” و”قايد” و”صابر” يجلسون إلى مائدة فاخرة، يتبادلون الكؤوس والصفقات مع رجالٍ قدم بعضهم من وراء البحر، بينما كان الآخرون يصفقون لهم باللسان نفسه الذي كان يمدح دوبوا بالأمس.
حدقت الحيوانات طويلًا…

كانت تنقل أبصارها بين الوجوه، مرة إلى البشر، ومرة إلى حكامها الجدد، لكنها لم تعد قادرة على التمييز.

فقد ذابت الحدود، واختلطت الملامح، حتى بدا الجميع وجهًا واحدًا يرتدي أقنعة مختلفة.

ومع انطفاء آخر مصباح في القصر، ظل سؤال واحد يتردد في صمت المزرعة، كأنه يبحث عن جواب داخل ضمير كل دابة:

“ليست المأساة أن يرحل “دو بوا”، بل أن يبقى منطقه حيًا في نفوس من خلفوه. فما قيمة تبدل الأسماء، إذا ظل الكرسي هو نفسه، والسوط هو نفسه، والخوف هو نفسه، ولم يتغير سوى الوجه الذي يمسك بالمقبض؟”.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button